الغذاء والزراعة والتغير المناخي – مارتن إمبسون

Posted: 3 مايو 2017 in مختارات سياسية
الوسوم:, , , , , ,
مارتن إمبسون
ترجمة ونشر: بالأحمر

تتزايد الدلائل العلمية حول عمق الأزمة البيئية.1 ذلك أن التغير المناخي يحدث بوتيرة أسرع من توقعات النماذج العلمية. وفي الوقت نفسه، فإنه بالرغم من الكلام البليغ الذي تردد في مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي الذي عُقد في باريس في نهاية ديسمبر 2015، فإننا لا نرى الكثير من الفعل ـ إذا كان هناك فعل من الأساس ــ من أجلل الحد من انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري.

وبالتالي، فإن تظاهر مئات الآلاف أثناء انعقاد مؤتمر التغير المناخي لم يكن أمرا يدعو للدهشة؛ حيث إن هذه الاحتجاجات كانت جزءا من حركة ضد التغير المناخي نشطت مجددا وتصاعدت مؤخرا، ووجدت في مؤتمر باريس فرصة للعودة إلى الشارع. وفي بريطانيا، كما هو الحال في مناطق العالم الأخرى، استطاعت هذه الحركة أن تجمع قوى اجتماعية واسعة، تمتد من دعاة الحفاظ على البيئة، إلى المنظمات غير الحكومية، إلى النقابات والمنظمات اليسارية. وتتجه هذه الحركة إلى اتخاذ مطالب سياسية أوسع. وبالنظر إلى شعبية شعارها “تغيير النظام لا تغيير المناخ”، فقد أصبحت هذه الحركة تتشابه إلى حدود مدهشة مع حركة مناهضة الرأسمالية التي ظهرت في بداية الألفية.

وتثار مناقشات مهمة في داخل هذه الحركة حول الذي يتعين القيام به. ويهيمن على هذه المناقشات الخطاب اليساري الذي تجسده شعبية كتاب ناعومي كلين هذا يغير كل شيء: الرأسمالية ضد المناخ This Changes Everything: Capitalism Versus the Climate.2 ويُعتبر الكتاب جزئيا نتاجا لحركةة الدفاع عن البيئة، خاصة ما أطلقت عليه لفظ ” “Blockadia، وهي الاحتجاجات التي نشأت من أجل مقاومة محاولات شركات الوقود الأحفوري بناء خطوط الأنابيب،، واستخراج الغاز الصخري، واستغلال رمال القطران. كما ساعد الكتاب على تشكيل الحركة نفسها، حيث خلق نقاشات بين النشطاء حول طبيعة الرأسمالية وحتمية الوقود الأحفوري بالنسبة لها.

لكن نقاشات أخرى تعود للظهور أيضا. وكانت الزراعة والغذاء والتغير المناخي من القضايا التي اكتسبت قوة جديدة. وخلال مظاهرات لندن وباريس وقت مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي، نظّم النشطاء كتلا تدعو إلى النظام الغذائي النباتي كجزء مهم من النضال ضد التغير المناخي. واتسمت هذه الكتل بمطالبة النشطاء الآخرين بتغيير نمط حياتهم الشخصية من أجل “إنقاذ الكوكب”. وفي لندن، حمل بضع مئات من النشطاء النباتيين لافتات تقول “هل تريد تغيير المناخ؟ قم بتغيير نظامك الغذائي وأصبِح نباتيا”، أو “النظام الغذائي النباتي سوف ينقذ الكوكب”. وأصدرت منظمة فيفا التي تدعو إلى النظام الغذائي النباتي ومقرها بريستول لافتات مكتوب عليها “ليس هناك شيء يسمى الناشط البيئي الذي يأكل اللحوم”. لكن هذه المطالب تتناقض مع الشعارات التي هيمنت على الحركة مؤخرا، والتي تطالب بإجراءات واسعة النطاق من جانب الدول لمواجهة التغير المناخي، مثل الدعوة إلى “مليون وظيفة خاصة بالمناخ”.

وأدت شعبية الفيلم التسجيلي مؤامرة البقر: سر الاستدامة Cowspiracy: The Sustainability Secret الذي جرى إنتاجه سنة 20144، إلى زيادة التركيز بقوة على المزارع الحيوانية. وقد أصبح Cowspiracy الذي أخرجه الناشط كيب أندرسون والمخرج كيجان كوهن، مؤثرا بقوة. وعندما تم تحديثه من جانبب المنتج التنفيذي ليوناردو دي كابريو وبثته نتفليكس على الإنترنت، أصبحت تتم مشاهدته آلاف المرات. ويطرح الفيلم الذي تبلغ مدته 90 دقيقة أن الزراعة الحيوانيةة مسؤولة عن 51 بالمائة من انبعاث الغازات على المستوى العالمي، والتدمير المنتظم للغابات المطيرة، وكذلك المشكلات البيئية الأوسع. وكما يشير اسم الفيلم، هناك مؤامرة تشترك فيها كل من الأجهزة الحكومية والشركات الزراعية والمنظمات غير الحكومية العاملة في مجال البيئة، من أجل تجنب الحديث عن دور الزراعة الحيوانية في أزمة البيئة.

ويخلُص الفيلم إلى أنه بوسع نمط الحياة القائم على النظام الغذائي النباتي وحده إنقاذ الكوكب. وتتغلغل هذه المقولة داخل التيار الرئيسي في حركة حماية البيئة، كما تشير إحدى اللافتات في مسيرة لندن حول المناخ والعدالة والوظائف: “السبب رقم 1 للتغير المناخي هو الزراعة الحيوانية”. ولا تقتصر المطالب بالحد من أكل اللحوم على النشطاء، بل إن الحكومات والأمم المتحدة تطرح دعاوى مثيلة.3

غير أن النهج القائم على التأكيد على أهمية السلوكيات الشخصية كطريقة للتعامل مع مشكلة التغير المناخي يفشل في مواجهة المشكلات المنهجية المرتبطة بالنظام الغذائي في ظل الرأسمالية، التي تمثل المصدر الحقيقي للمشكلة. ويسلط فيلم Cowspiracy الضوء عن حق على عديد من المشكلات الناجمة عن الزراعة الحديثة.. غير أنه لا يركز على طبيعة الزراعة في ظل الرأسمالية، بل على أحد جوانب هذه الزراعة.4

تُعتبر الزراعة الحديثة مدمرة للبيئة بقوة. ويعود ذلك إلى النظام الغذائي الذي يوجهه الربح وتسيطر عليه محلات السوبر ماركت والشركات المتعددة الجنسيات. ونتيجة ذلك، يتسبب النظام في قدر هائل من الهدر، ويتخذ من “النظام الغذائي الغربي” نموذجا يُحتذى به. ويُلام المستهلكون على اختياراتهم الغذائية السيئة، في ظل اهتمام محدود بالسياق الذي تُتخذ فيه هذه الخيارات.

لكن الحل لا يكمن في إحداث تغيرات في النظم الغذائية للأفراد، بل في التغيير الجذري للنظام الغذائي نفسه. وسوف أبحث في هذا المقال في الأثر البيئي للزراعة الرأسمالية، وخاصة مساهمتها في مشكلة التغير المناخي. وآمل أن يؤدي ذلك إلى تعزيز الجانب المعادي للرأسمالية في حركة الدفاع عن المناخ، وهو ما يعني بدوره تحديا ثوريا أوسع أفقا للرأسمالية.5

الزراعة والتغير المناخي

يشير الرقم الرئيسي في فيلم Cowspiracy إلى أن “الإنتاج الحيواني ومشتقاته يساهم بـ…511 بالمائة من غازات الاحتباس الحراري على المستوى العالمي”. ويستند هذا الرقم على تقرير صادر عن معهد وورلد ووتش أعده روبرت جودلاند وجيف أنهانج اللذان يطرحان التالي:

جرى التقليل بشدة من أثر دورة الحياة وسلاسل التوريد للحيوانات المستأنسة التي تُستخدم في التغذية في توليد غازات الاحتباس الحراري… إن استبدال الإنتاج الحيواني بخيارات أفضل يمثل الاستراتيجية الأفضل لمواجهة التغير المناخي. وفي واقع الأمر، كان ذلك سيؤدي إلى آثار أسرع كثيرا في الحد من انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري وتركزها في الغلاف الجوي ـ وبالتالي على معدل ارتفاع درجة حرارة الأرض ـ مقارنة بالإجراءات الرامية إلى استبدال الوقود الأحفوري بالطاقة المتجددة.6 

غير أن هذه الأرقام الدراماتيكية تتناقض مع دراسات أخرى، حيث تقر منظمة الأغذية والزراعة بالأمم المتحدة (الفاو) بأن “قطاع إنتاج الماشية يلعب دورا مهما في التغير المناخي”، لكنها تقترح أن المستوى الفعلي للانبعاثات التي يولدها هذا القطاع أقل كثيرا من ذلك الذي أشار إليه Cowspiracy. وتقول الفاو في تقريرها الصادر في 2013 بعنوان معالجة التغير المناخي خلال إنتاج الماشية: تقدير عالمي للانبعاثات وفرص الحد منهاإن الإنتاج الحيواني يسهم بـ 14.55 بالمائة فقط من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري التي يتسبب فيها الإنسان.7 ويقل ذلك عن الرقم الوارد في دراسة سابقة، صدرت سنة 2006 للفاو أكدت أن الإنتاجج الحيواني يسهم بـ 18 بالمائة من انبعاثات الغازات.8 واعتبر البعض دراسة عام 20066 معيبة لأنها قارنت دورة الحياة الكاملة للقطاع الحيواني (بما في ذلك الغازاتت الناتجة عن النقل) بدورات حياة جزئية للقطاعات الأخرى. وحتى عندما أقر معدو الدراسة بذلك، أصر صانعو Cowspiracy على استخدام الأرقام الواردة بها.9

ورفض داني تشيفرز، الكاتب ومحرر الكربون الخارجي الرئيسي لكريسييان أيد وأكشن أيد، الأرقام الواردة في Cowspiracy على النحو التالي:

إن رقم الـ 51 بالمائة يأتي من تقرير وحيد لم يخضع للفحص الدقيق أعده باحثان ـ وهو تقرير تتناثر به الأخطاء الإحصائية. وتقدِّر هذه الدراسة الأثر المناخي لغاز الميثان الناجم عن الحيوانات بأنه يبلغ أكثر من ثلاثة أمثال نظيره الناجم عن المصادر الأخرى، وتضيف إليه على نحو غير ملائم الانبعاثات الناجمة عن استخدام الأراضي، وتتضمن على نحو خاطئ جميع زفير الماشية من غاز ثاني أكسيد الكربون.10

لكن إدراك حدود الأرقام الواردة في Cowspiracy لا يقلل من أهمية دور الإنتاج الحيواني، أو الزراعة عامة، في التغير المناخي. وفي المملكة المتحدة، على سبيل المثال، تشير الأرقام الحكومية إلى أن الزراعة مسؤولة عن 9 بالمائة من إجمالي انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، والتي تضم 79 بالمائة من إجماليي انبعاثات أكسيد النيتروز، و48 بالمائة من انبعاثات غاز الميثان و1 بالمائة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.11 ويمثل الميثان واحدا من غازات الاحتباس الحراريي المهمة التي تساهم في ارتفاع درجة حرارة الأرض بمقدار 233 ضعف ما يساهم به غاز ثاني أكسيد الكربون. وينجم الميثان عن عدد من المصادر، مثل تحلل الموادد العضوية، لكن قسما مهما من إنتاج هذا الغاز يرتبط بتربية الحيوانات، لأن الحيوانات مثل الماشية والأغنام والماعز والخنازير والجاموس تنتج كميات كبيرة منه كجزء من عملية الهضم لديها. كما ينبعث الميثان عندما يتم تخزين فضلات الحيوانات لاستخدامها كسماد. أما أكسيد النيتروز، فهو ينبعث في الأغلب عند استخدام الأسمدة الصناعية.

وفي مارس 2014، أعلنت الفاو أرقاما تبين أن الانبعاثات الناجمة عن الزراعة في 2011 كانت الأعلى من نوعها في التاريخ، حيث بلغت 5,335 ميجا طن من ثاني أكسيد الكربون (9 بالمائة أكثر من المتوسط السائد في العقد السابق)، ومن المتوقع أن تزيد بمقدار 30 بالمائة بحلول عام 2050.12 ويقدِّر الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ أن انبعاثات الغازات من الزراعة والغابات والاستخدامات الأخرى للأرض تبلغ نحو 24 بالمائة من إجمالي الانبعاثات على الصعيد العالمي.13 وتطرح دراسة صدرت سنة 2012 أن النظم الغذائية ككل تساهم بما يتراوح بين 19 و29 بالمائة من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، ومن بين هذه النسبة، تبلغ نسبة الزراعة بين 80 و86 بالمائة.14

تُعتبر الزراعة مساهما كبيرا في التغير المناخي نتيجة ثلاثة أسباب رئيسية. أولا، يتزايد نصيب المحاصيل التي تنتج علف الحيوان والوقود الحيوي. ثانيا، تمثل الزراعة أحد الأسباب المهمة وراء إزالة الغابات (71 بالمائة من إزالة الغابات الاستوائية بين 2000 و2012 كان مرتبطا بتطهير الأرض من أجل الزراعة15). وأخيرا، فإن الزراعة الحديثة والمصنعة برمتها تعتمد على استخدام الوقود الأحفوري.

إن زراعة المحاصيل تعني تحويل العناصر الغذائية في التربة وثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي إلى نباتات يمكن أن تؤكل. وهناك بعض النباتات لا يأكلها البشر مباشرة ولكن تستهلكها الحيوانات كي تحولها إلى لحوم أو ألبان، أو تعطيها طاقة كي تجر المحراث أو تنقل المواد. ومنذ العصور القديمة، عرف المزارعون أن تزويد التربة بالمواد الغذائية الإضافية يمكن أن يحسن المحاصيل الزراعية. وتاريخيا، كان روث الحيوان يُستخدم لتحقيق ذلك، لكن منذ القرن التاسع عشر فصاعدا، أصبح من الشائع استخدام مخصبات أخرى في ظل تطور فهم العمليات الكيميائية. وتضمّن ذلك في البداية مصادر للمواد الغذائية مثل العظام وذرق الطائر. لكن مع تطور الثورة الصناعية، أصبحت المخصبات الصناعية الوسيلة الأكثر انتشارا لتزويد التربة بالمواد التي تحتاجها. واليوم، يتطلب إنتاج المخصبات مدخلات ضخمة من الطاقة تأتي من الوقود الأحفوري. وفي العالم المتقدم، يُعتبر النفط عنصرا أسياسيا في الحصاد والحرث ونقل الحبوب والحيوانات والغذاء الذي يجري إنتاجه. كما أن من الاستخدامات المهمة للوقود الأحفوري إنتاج المبيدات لقتل الأعشاب الضارة والحشرات.

إن تزايد الطلب على اللحم ومنتجات صناعة اللحوم الأخرى مثل الألبان والبيض والجبن يعني أن الزراعة الحيوانية أصبحت تتميز بضخامة الحجم. ويقدَّر عدد الدواجن في العالم (سنة 2013) بـ 21 مليارا، بينما يوجد 1.4 مليار رأس من الماشية، و1.1 مليار من الخراف و977 مليون من الخنازير.16

تحظى الانبعاثات الناتجة عن مزارع الماشية بالنصيب الأكبر من انبعاثات تربية الحيوان. ومعظم هذه الانبعاثات تأتي من صناعة اللحوم (41 بالمائة من إجمالي الانبعاثات الناتجة عن الحيوانات)، بينما تساهم الانبعاثات الناتجة عن إنتاج الألبان بـ 20 بالمائة. وفي بعض المناطق النامية من العالم، تكون نسبة الانبعاثات الناتجة عن الحيوانات التي يجري استخدامها في النقل أو مشروعات الطاقة مرتفعة ــــــ تمثل ربع الانبعاثات في جنوب آسيا وإفريقيا جنوب الصحراء.17 إن المدافعين عن البيئةة ممن يطالبون بتقليل عدد الماشية والجاموس من أجل وقف التغير المناخي نادرا ما يطرحون بدائل للمجتمعات التي تعتمد على الحيوانات في الزراعة والنقل.

ويجدر فحص المقدار الكلي من الانبعاثات الناتجة عن تربية الحيوان. فلنأخذ على سبيل المثال صناعة اللحم البقري في أمريكا الجنوبية. وفقا للفاو، يبلغ نصيب هذه الصناعة 31 بالمائة من إجمالي قطاع إنتاج اللحم البقري في العالم. ويساهم ذلك بنحو 1 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون المكافئ لانبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري. وهناك مصدران أساسيان للانبعاثات، أولهما عملية التخمر المعوي، وهي عملية الهضم التي تقوم فيها الكائنات الحية الدقيقة في معدة الحيوان بتفكيك الغذاء بحيث يمكن امتصاصه في الدورة الدموية، مما يُتنِج الميثان (الذي يساهم بـ 30 بالمائة من انبعاثات صناعة اللحم البقري في أمريكا الجنوبية). والمصدر الثاني هو استخدام الروث كسماد، والتغيرات في طريقة استخدام الأرض، مثل إزالة الغابات من أجل توسيع مساحات الرعي، ويساهمان بنحو 23 بالمائة و40 بالمائة من الانبعاثات على التوالي.18

وحتى في ظل النظام الحالي، هناك إمكانية لإجراء تخفيض كبير في الانبعاثات. لكن هذه سوف تتطلب في الأغلب تطورات تكنولوجية أو تغيرات في الممارسات الزراعية، وهو ما قد ترفضه الشركات غير الراغبة في تقليل أرباحها، أو المزارعون الذين يفتقرون إلى رأس المال اللازم لاستخدام هذه الوسائل. لكن مجرد وجود هذه الوسائل يبين أن تبنّي نظام غذائي مرتكز على الحاجة وليس الربح، يمكنه تخفيض الانبعاثات. وعلى سبيل المثال، تلاحظ الفاو أن الانبعاثات من قطاع الماشية يمكن تخفيضها بمقدار 18 بالمائة عن طريق تعميم الممارسات الأفضل التي ينجم عنها مستوى منخفض من الانبعاثات، وكذلك استخدام التقنيات المتاحة. لكن ذلك يعتمد على وجود “سياسات ومؤشرات للسوق مواتية” بغرض التشجيع على استخدام هذه الوسائل الأفضل.19وتلاحظ الفاو أن الحد من عمليات إزالة الغابات ومن توسيع نطاق المناطق الزراعية وتحسين طرق رعي الحيوان بوسعها أيضا أن تقلل من وجود الغازات المسببة للاحتباس الحراري داخل التربة (والتي تقدَّر بنحو 409 من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنويا). ويمكن لممارسات أخرى، مثل بذر البقوليات (مثل البازلاء والبرسيم والفاصوليا) في المراعي، تحسين قدرة التربة بقوة على امتصاص الكربون.20

ولا يقتصر القلق من انبعاثات الزراعة على تأثيرها على البيئة؛ بل إن هذه الانبعاثات تعكس أيضا اختلالات في العملية الزراعية نفسها. وعلى سبيل المثال، يمثل علف الحيوان الجانب الأكثر تكلفة في تربية الماشية، وتمثل انبعاثات الميثان هدرا في مدخلات الطاقة في شكل علف. وبالتالي، فإن تقليل الانبعاثات يمكنه أيضا أن يخفض من تكلفة الزراعة عن طريق الحد من الطاقة في النظام الغذائي.21

ويختلف مستوى الانبعاثات الناجمة عن الثروة الزراعية الحيوانية بشدة من منطقة إلى أخرى، وهو ما يعكس اختلاف أنماط الزراعة أو طرق استخدام الأرض لدى المناطق المختلفة. وعلى سبيل المثال، تتحمل التغيرات في طرق استخدام الأرض المسؤولية عن 15 بالمائة من الانبعاثات الناتجة عن صناعة اللحم البقري على الصعيد العالمي، لكن هذه النسبة تصل إلى 21 بالمائة فيما يخص إنتاج الدواجن. ويرجع ذلك إلى أن التغيرات في استخدام الأرض ترتبط بإزالة الغابات في حالة اللحم البقري، بينما ترتبط بإنتاج علف فول الصويا في حالة الدواجن. ويخلق ذلك مزيدا من الصعوبات عند تقدير الانبعاثات الناتجة عن هذه الصناعة، لأن فول الصويا يتم تداوله عالميا، مما يُرجِع الانبعاثات إلى مناطق مختلفة في العالم، بينما يُعتبر مصدر الانبعاثات الناجمة عن إزالة الغابات محليا.22 كما توجد اختلافات كبرى بين الدول تعكسس تباين الممارسات الصناعية.23 لكنه في العموم، تُعتبر الزراعة في المناطق الأكثر غنى في العالم مصدرا مهما للانبعاثات مقارنة بمساحة الأرض. لكن الانبعاثاتت بالنسبة لوحدة الزراعة تكون منخفضة.24

 كما يمكن لأساليب الزراعة التأثير على مستوى الانبعاثات لكل وحدة إنتاجية. وهناك تناسب عكسي قوي بين مقدار الألبان التي تنتجها الأبقار وبين كثافة الانبعاثات. بمعنى آخر، عندما يزيد الإنتاج، يقل مستوى الانبعاثات لكل وحدة الإنتاج. وتوجد ثلاثة أسباب لذلك، يكون لها تأثير على تقليل الانبعاثات الكلية الناتجة عن الزراعة. أولها أنه مع زيادة الإنتاج الكلي، تتوزع الانبعاثات على مقدار أكبر من الإنتاج. ثانيا، غالبا ما يرتبط تطوير الإنتاجية (مثل استخدام أعلاف مختلفة أو آلات إنتاج الألبان أو العقاقير التي تزيد من الإنتاج) باستخدام تقنيات تكنولوجية متطورة وممارسات بوسعها الحد من الانبعاثات. وأخيرا، فإن التطورات على صعيد إدارة القطعان وصحة وتربية الحيوان، “تؤدي إلى زيادة نسبة الموارد المستخدمَة لأغراض الإنتاج أكثر من مجرد استخدامها للحفاظ على الحيوانات”.25

ويمكن لاستخدام التكنولوجيا أن يساعد على الحد من مقدار الانبعاثات الكلية والانبعاثات بالنسبة لوحدة الإنتاج، على الأقل في بعض مجالات الثروة الزراعية الحيوانية، مثل إنتاج الألبان. ونظرا لأن كمية غاز الميثان التي تنتجها الأبقار تختلف بشكل طبيعي، تقترح الأبحاث الحالية أن التربية الانتقائية يمكن أن تجعل حيوانات المستقبل أقل تلويثا للبيئة من حيوانات الحاضر، حتى بدون استخدام تقنيات إضافية.26

وبالرغم من أن دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ليس لديها سوى 20 بالمائة من إجمالي البقر الحلوب في العالم، إلا أنها تنتج 73 بالمائة من الألبان على المستوى العالمي. وبالتالي، فإن متوسط الانبعاثات الناتجة عن إنتاج الألبان في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يُعتبر منخفضا كثيرا عن متوسط المستوى العالمي. وتقترح دراسة حالة لهذا القطاع أجرتها الفاو أن “التحسينات الممكنة في إدارة السماد واستخدام الطاقة وجودة العلف وأداء الحيوانات” يمكن أن تؤدي إلى انخفاض يتراوح بين 14 و17 بالمائة من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري (أي بين 4 و5 بالمائة من الانبعاثات من قطاع الألبان على الصعيد العالمي). وتتوقف طريقة القيام بذلك على عوامل إقليمية ـ ففي أوروبا الغربية يُعتبر الاستخدام الجيد للطاقة العامل الأهم، في مقابل “الاستخدام الأوسع للتخمر اللاهوائي” من أجل تفكيك فضلات الحيوانات في أمريكا الشمالية.27

لكن في حالة الزراعة، كما هو الحال مع قطاعات أخرى مثل توليد الطاقة أو النقل، يجب أن نكون حذرين إزاء فرضية أن مجرد البحث عن تكنولوجيا مختلفة أو طرق للإنتاج بعينها سوف يؤدي بالضرورة إلى تخفيض الانبعاثات. ولنأخذ مزارع الدواجن مثلا. هناك ثلاثة أنماط لإنتاج الدواجن، هي الفناء الخلفي والطبقات الصناعية التي تنتج اللحوم والبيض، والمراجل الصناعية التي تنتج اللحوم فقط. وتكون كثافة الانبعاثات هي الأقل في حالة المراجل الصناعية ومزارع البيض، وذلك لأسباب تماثل تلك الموجودة في حالة إنتاج اللبن من البقر. لكن الدواجن التي تُترك طليقة في الفناء الخلفي يكون لديها انبعاثات ذات كثافة عالية بالنسبة للبيضة لأن الطائر يأخذ وقتا أكبر كي ينمو، وينتج عددا أقل من البيض، ويكون علف الدجاج في هذه الحالة أقل جودة في الأغلب، وتكون نسبة الطيور غير المنتجة إلى الطيور المنتجة أعلى منها في حالة الإنتاج الصناعي. وبالتالي، فإن الإنتاج الصناعي للدواجن تنجم عنه انبعاثات طاقة أقل للوحدة مقارنة بمزارع الفناء الخلفي.

غير أننا يجب أن نكون حذرين من أن نفقد رؤية السياق الأوسع؛ حيث إنه بالرغم من أن مزارع الدواجن الصناعية تنتج انبعاثات أقل، إلا أن لديها جوانب سلبية أخرى. فالدواجن توضع في ظروف سيئة وتكون حياتها أقصر، وغالبا ما تكون حياتها مؤلمة، وتُستخدم على نطاق واسع المضادات الحيوية والعقاقير الأخرى التي تشجع على النمو السريع. كما أن استخدام العقاقير بغرض إنتاج لحوم أرخص قد يؤدي إلى آثار صحية سلبية على المستهلكين. علاوة على ذلك، فإن مزارع الدواجن الكبيرة تُعتبر غير صحية بالنسبة للعاملين في تلك الصناعة ـــ وتشير أرقام مكتب إحصاءات العمل الأمريكي إلى أن صناعة الدواجن هي واحدة من الصناعات التي لديها أعلى مستوى من أمراض المهنة.28 ويسيطر عدد قليل من الشركات الكبرى على مزارع الدواجن في الولايات المتحدة، وتوكل هذه الشركات لمزارع أصغر مهمة تربيةة الدواجن (بينما تظل الدواجن نفسها ملكا للشركة الكبرى). ويجعل ذلك مربي الدواجن أسرى علاقة غير متكافئة، يكونون فيها تحت إمرة شركات لا يحركها سوى دافعع الربح.29

لكن عندما نأخذ في الاعتبار انبعاثات مزارع الخنازير “لا نجد اختلافات كبيرة بين كثافة الانبعاثات وفقا لاختلاف نظم الإنتاج”. وبالرغم من أن معظم الانبعاثات الكلية من قطاع الخنازير لا تزال تأتي من المزارع الصناعية، فإن هذه الانبعاثات تكون مماثلة لتلك الناتجة عن إنتاج المزارع الخلفية. وغالبا ما يرتبط ذلك برداءة جودة الغذاء الذي يقدم لحيوانات المزارع الخلفية (الذي يكون في العادة مخلفات مصادر أخرى)، وهو ما يعني انبعاثات أقل.30 وبالتالي، فإن الانتقال إلى المزارع المصنعة أو رفعع مستوى التكنولوجيا، لا يؤدي تلقائيا إلى الحد من الانبعاثات.

وسوف أعود لاحقا إلى استراتيجيات تقليل الانبعاثات. لكن في الوقت الحالي يجدر بنا أن نشير إلى نتيجتين. أولهما أن هناك إمكانية كبيرة لتقليل الانبعاثات الناتجة عن الزراعة وخاصة مزارع الثروة الحيوانية. وفي ظروف بعينها، يمكن أن تنتج عن استخدام تقنيات متطورة وغيره من الممارسات آثار مهمة على كمية الانبعاثات. وقد أشرت بالفعل إلى أن الفاو خلُصت إلى نتيجة مفادها أنه بالإمكان تخفيض الانبعاثات بين 18 و30 بالمائة إذا استطاع المنتجون في مناطق بعينها تطبيق الممارسات التي ينتهجها أصحاب الانبعاثات الأقل البالغة نسبتهم بين 10 إلى 25 بالمائة.

والنتيجة الثانية هي أن تخفيض الانبعاثات يمكن أن يتحقق في كل من الدول المتقدمة والنامية، لكن طريقة الوصول إلى ذلك تختلف بين هذين النوعين من الدول. ويمكن أن تنخفض الانبعاثات من المزارع الصناعية عن طريق “تعزيز الكفاءة على مستوى المزرعة، عبر تحسين إدارة السماد وأجهزة توفير الطاقة”، لكن تحتاج دول أخرى إلى إدارة أفضل للأرض والقطعان وتغيير ممارسات التغذية.31 وبالتالي لا يوجد أسلوب وحيد لتخفيض الانبعاثات الناتجة عن الزراعة، بل هناك تشكيلة واسعة منن الحلول.

كيف يؤثر التغير المناخي على الزراعة؟

وأخيرا، يتعين علينا التركيز على كيفية تأثير التغير المناخي على الزراعة. كان من الشائع الاعتقاد بأن الاحتباس الحراري سوف يخدم المزارعين، لأن ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون سيعمل بمثابة مخصب يؤدي إلى زيادة المحصول. وبالرغم من صحة ذلك (حيث إن بعض المحاصيل مثل القمح يمكن أن تزيد بمقدار 30 بالمائة إذا تضاعفت نسبة ثاني أكسيد الكربون)، فإن أي تحسُن يعتمد أيضا على عوامل أخرى مثل مستويات التغذية وإتاحة المياه ومتوسط درجات الحرارة.

وتتأثر الأسماك والمحار بشدة بتغير درجات الحرارة، ومن المتوقع أن تؤدي زيادة حموضة المحيطات إلى تخفيض المخزون، القليل من الأساس. ويمكن أن يؤدي ذلك بدوره إلى آثار سلبية أخرى على الزراعة؛ حيث إن نحو ثلث الأسماك التي يتم اصطيادها تُستخدم كغذاء للحيوان. كما أن تغذية الحيوانات والأسماك على أسماك أخرى وعلى الكريل الموجود في المحيطات يدمر بقوة النظام البيئي للمحيطات.

وفي ظل ارتفاع درجة حرارة الأرض، من المرجح أن يزيد تواتر وحدّة الأحداث الجوية الكبرى، مثل الجفاف والفيضانات. وحيث إن الزراعة غالبا ما تكون متركزة في مناطق بعينها، فيمكن أن تحدث مخاطر فيما يخص إنتاج الحبوب. فعلى سبيل المثال، يأتي ثلث القمح والذرة والأزر الذي يتم تداوله عالميا من الولايات المتحدة. وفي سنة 2012، شهدت أمريكا أسوأ جفاف منذ 1950؛ حيث خبرت 60 بالمائة من المزارع الأمريكية مستوى جفاف بين المتوسط والحاد في أغسطس. ونتيجة ذلك، هبط إنتاج الذرة إلى مستوى 2006 وارتفعت أسعار الصادرات بمقدار 33 بالمائة في الصيف.32

ويهدد ذوبان الأنهار الجليدية الزراعة. وفي جبال الهيمالايا، يغذي نحو 15,000 من الأنهار الجليدية نحو نصف أنهار براهمابوترا والغانج والسند سنويا. وفي ظل ذوبان هذه الأنهار الجليدية، فسوف ترتفع مستويات المياه في البداية، لكن ارتفاع درجات الحرارة سوف يهدد في نهاية المطاف مليار شخص يعتمدون على مياه الأنهار. وفي أمريكا الجنوبية، توفِر الأنهار الجليدية لجبال الأنديز المياه والطاقة الكهرومائية لنحو 80 مليون إنسان. وفي 2010، كتب هنري بولاك أن “ربع سكان الأرض سوف يبدأون في التأثر بقوة خلال عقود قليلة بانخفاض سقوط الجليد وفقدان الأنهار الجليدية”.33

كما أن التغير المناخي سوف يضر بالزراعة والغذاء بطرق أخرى. ويركز تقرير أمريكي صدر في أبريل 2016 على بعض هذه الوسائل. ويطرح هذا التقرير أن بعض الأمراض مثل السالمونيلا والإشريكية القولونية سوف تصبح أكثر انتشارا في ظل ارتفاع درجات الحرارة. ويشير إلى أن زيادة مستويات ثاني أكسيد الكربون سوف تقلل من مستويات البروتين في الغذاء. ولعل النتيجة المخيفة التي يمكن أن نستخلصها من ذلك هي أن قسوة الطقس يمكن أن تؤدي إلى اضطراب سلاسل توريد الغذاء، وتكثيف استخدام المبيدات بفعل التغير في نوع الحشرات الموجودة، والحد من تركُز المعادن الأساسية مثل الحديد والزنك في الطعام.34

التأثير البيئي الأوسع للزراعة

تاريخيا، كانت الزراعة أهم طريقة غيّر بها الإنسان بيئته. ويمكن الربط بين ظهور الزراعة قبل نحو 10,000 عام، وبين تغيرات بيئية كثيرة ومتنوعة، تتضمن إزالة الغابات، وتغيير مسارات الأنهار بغرض الري، والانتقائية في زراعة النباتات وتربية الحيوانات بغرض التدجين. وفي ظل الرأسمالية ـــ كما كان الحال مع المجتمعات الإنسانية الأقدم ــــ لا نزال نقوم بتغيير البيئة، وتمثل الزراعة جزءا مهما من هذه العملية. لكن طبيعة الإنتاج في ظل الرأسمالية كانت تعني أن تغيير الطبيعة أصبح يتخذ مستوى جديدا. وقد وصف كل من جون بيلامي فوستر وبريت كلارك وريتشارد يورك كيف صاغ ماركس تصورا حول الكيفية التي أنتجت بها الرأسمالية “الصدع الأيضي” في “التفاعل بين البشرية والطبيعة”:

كان السياق يرتبط بسرقة المواد الغذائية من الترية في الريف وإرسالها إلى المدن في شكل طعام وألياف، لينتهي بها الأمر إلى المساهمة في التلوث. ويقوض هذا التمزق في دورة المواد الغذائية في التربة قدرات التجدد في النظام البيئي. وقال ماركس إنه من الضروري “استعادة” التمثيل الغذائي للتربة من أجل ضمان الاستدامة البيئية لأجل الأجيال القادمة.35

وترجع جذور هذا الصدع إلى نظام الإنتاج الذي يعامل العالم الطبيعي كجزء من العملية الإنتاجية ذاتها، أي كمصدر للمواد الخام أو الطاقة، أو كمقلب لنفايات هذه العملية الإنتاجية. وبالرغم من أن الإنتاج الزراعي لابد أن يؤثر على الطبيعة، فإن الزراعة المصنعة التي تهيمن حاليا ينجم عنها، وفقا لتعبيرات ماركس، “صدع لا يمكن إصلاحه في العملية التبادلية للأيض الاجتماعي”.36

وتمثل زراعة اللوز مثالا صارخا على ذلك؛ حيث إن 80 بالمائة من إنتاج اللوز في العالم يأتي من مزارع عالية الكثافة في سنترال فالي في كاليفورنيا. وتجري زراعة نحو 60 مليون شجرة لوز في بساتين على مساحة 240,000 هكتار. وتتسم هذه المنطقة بندرة الأمطار وتُصنَف باعتبارها “نصف صحراوية”. وبالإضافة إلى اللوز، توجد في تلك المنطقة مزارع ألبان عملاقة وحقول واسعة للفاكهة والجوز والخضروات. ويصف فيليب ليمبيري في كتاب فارماجيدون Farmageddon المكانن على النحو التالي:

إنه مكان مزعج للغاية، حيث لا توجد شفرة عشب ولا تنمو شجرة ولا سياج من الأشجار، باستثناء الحدائق الخاصة والحقول المرسومة بلا رحمة. ويعود الفضل في هذا الكم الهائل من منتجات الفاكهة والخضروات فقط إلى مزيج الكيماويات ونهب الأنهار التي تنهمر من جبال سييرا نيفادا… وبدا أن المزارعين قادرون على النجاح في خدعة سحرية قيمتها مليارات الدولار، حيث استمروا في استخراج المحاصيل من تربة نضبت فيها المواد الطبيعية.37

ويعني هذا النوع من الزراعة المصنعة أنه لا يوجد ما يكفي من النحل من أجل تلقيح المحاصيل، وبالتالي تقوم 3,000 شاحنة بنقل 40 مليار نحلة من جميع أنحاء الولايات المتحدة إلى كاليفورنيا، كي تقوم بتلقيح أشجار اللوز، وهو ما يكلف 250 مليون دولار سنويا.38

إن النحل نفسه، الذي يُعتبر مركزيا بالنسبة لإنتاج الغذاء، أصبح ضحية للزراعة المصنعة. ويرجع اضطراب انهيار مستعمرات النحل إلى استخدام مبيدات تسمى neonicotinoids، إلى جانب عوامل أخرى مرتبطة بقوة بالزراعة المصنعة. فعلى سبيل المثال، فإنه في سنترال فالي، تمت إزالة سياجات الأشجار والحقول غير المحروثة في المناطق الهامشية التي كان يمكن أن يعيش فيها النحل، كي تقام مكانها بساتين عملاقة. لكن الإشكالية الأكبر تمثلت في مناطق المحصول الواحد التي تعتمد على المخصبات الصناعية. وتاريخيا، كان المزارعون يسمحون للتربة بتجديد نفسها عن طريق تناوب المحاصيل ـــــ بإراحة التربة أو زرع محصول مثل البرسيم الذي يشجع أيضا على قدوم النحل. لكن زراعة المحصول الواحد واسعة النطاق تحد من مصادر الطعام وتدمر الأماكن التي يعيش فيها النحل.39

ويطرح الدكتور بارثيبا باسو، خبير البيئة الهندي، أن تراجع الغابات وزيادة استخدام المبيدات يمثلان سببين أساسيين لانهيار أعداد النحل:

كنت آمل ألا تكون خسارة الملقحات بهذه الخطورة في البلدان النامية كما هي في الغرب، لكن الحال ليس ذلك. إنه لأمر مؤسف. نحتاج إلى بذل مجهود كبير كي نعالج هذه المشكلة، لكن للأسف يسير العالم النامي في طريق عكسي حاليا، حيث يتبنى أسلوب الزراعة الكثيفة المستخدم في الغرب. ويعني ذلك زراعة المحصول الواحد والمخصبات الكيميائية واستخدام المبيدات، والمزيد من خسارة البيئات البرية التي يعتمد عليها النحل.40

لكن استخدام طرق تربية النحل الصناعية على نطاق واسع ليس حلا محصنا ضد الفشل؛ حيث إنه في 2014، كان نحو 15 إلى 25 بالمائة من خلايا النحل التي جُلبت إلى كاليفورنيا من أجل تلقيح اللوز في حالة تلف شديد، مما أدى إلى موت ملايين النحل. ويبدو على الأرجح أن السبب كان استخدام “مواد مساعدة” كيماوية بغرض تحسين كفاءة المبيدات الحشرية. لكن هذه المبيدات التي كانت آمنة قبل استخدام هذه المواد المساعدة، أصبحت الآن قاتلة للنحل.41 وبالتالي، فإن صناعة اللوز خلقتت صناعة النحل وأصبحت معتمدة عليها، لكن أساليب الزراعة أصبحت أيضا تهدد بقاء صناعة النحل نفسها. ويصعب أن نجد مثلا “للصدع الأيضي” أفضل من ذلك فيماا يخص الزراعة الحديثة.42

ربما كان كارل ماركس يتحدث عن اللوز وصناعة النحل عندما كان يعلِّق على الزراعة الرأسمالية:

لم تعد الزراعة تجد الظروف الطبيعية اللازمة كي تقوم بإنتاجها الذاتي اعتمادا على نفسها، بطريقة طبيعية وتلقائية ومتاحة، لكن هذه أصبحت بمثابة صناعة منفصلة عنها ــــ وفي ظل هذا الانفصال، فإن المجموعة المعقدة من الصلات التي توجد بها هذه الصناعة تنسحب على مجال ظروف الإنتاج الزراعي.43

وتسلط صناعة اللوز الضوء أيضا على جانب بيئي آخر للزراعة ـــــ هو المياه. ذلك أن زراعة المحاصيل وتربية الحيوانات يحتاجان إلى كميات كبيرة من المياه. ويحتاج كيلو جرام الأرز إلى 3,400 لتر ماء، بينما يحتاج كيلو جرام الدواجن إلى 3,900 لتر، في مقابل 15,000 و100,000 لتر لكيلو جرام الماشية، وتحتاج اللوزة الواحدة إلى 4 لترات من الماء.45

ويحتاج الهكتار من الأرز “ذو الإنتاجية العالية” إلى نحو 11 مليون لتر كي ينتج 7 أطنان من الأرز. ويحتاج فول الصويا إلى نحو 5.8 مليون لتر كي نحصل على 3 أطنان للهكتار. ويحتاج القمح إلى 2.4 مليون لتر “فقط” لأجل إنتاج 2.7 طن للهكتار. وقد أشارت فندانا شيفا إلى أن هذه المحاصيل ذات الإنتاجية العالية يجب أن تسمى أصناف “عالية الاستجابة”، لأنها تحتاج إلى مدخلات ضخمة في شكل مواد كيميائية وماء.46

وتحتاج زراعة المحاصيل التي تعتمد على الري إلى ثلاثة أمثال الطاقة التي تحتاجها المحاصيل التي تعتمد على مياه الأمطار لإنتاج الكمية نفسها من الحبوب، وهو ما يفاقم من مشكلة انبعاثات الغازات التي تسبب الاحتباس الحراري.47

تعمل الزراعة على الاستنزاف السريع لاحتياطيات المياه العذبة، خاصة المياه الجوفية. وتقوم بعض الآبار بتجديد نفسها تلقائيا، لكن البعض الآخر، التي تسمى طبقات المياه الجوفية الأحفورية، تحوي مياه وُجدت منذ آلاف السنين، لكنها لا تجدد نفسها. وفي الولايات المتحدة، توفِر مياه أوجالالا الجوفية نحو 30 بالمائة من مياه الري التي يستخدمها مزارعو هذا البلد، وقد تجف هذه المياه خلال 25 عاما.48 وكلما كانت المياه أعمق أو أصعب في الحصول عليها، زاد مقدار الطاقة المطلوبة لضخها إلى السطح، وهو ما يعني حرق المزيد من الوقود الأحفوري وزيادة الانبعاثات. ويقدِّر البنك الدولي أن 175 مليون فرد في الهند و130 مليونا في الصين يعتمدون على الحبوب التي تُنتَج عبر الإفراط في ضخ المياه.49

كما تتسبب الزارعة في تلوث مياه الأنهار والبحيرات والبحار. ولعل أحد أسباب ذلك هو التلوث الناتج عن روث الحيوان. وينتج عن الحيوانات في بريطانيا 80 مليون طن من الروث سنويا. وفي بريطانيا، “يمكن لقطيع للألبان متوسط الحجم من 100 بقرة أن ينتج مقدارا ضخما من الروث، يعادل ما تنتجه بلدة يقطنها 5,000 شخص. ويبلغ إجمالي أبقار الألبان في بريطانيا 1.8مليون بقرة، ناهيك عن ملايين الخنازير والدواجن والحيوانات الأخرى التي تُربى في المزارع”.50 وفي الماضي، كان روث الأبقار يوزع على الحقول كمخصبات، لكن زراعة الألبان الكثيفة (أو مصانع تربية الدجاج والخنازير) تنتج كميات كبيرة جدا من الروث لا يمكن نشرها في التربة. ويجري تخرين بعض الروث في بحيرات واسعة، يمكن لتسريباتها أن تُلوث المياه الجوفية وتبعث الغازات في الجو.51 وينقل ليمبري عن كيفين هاملتون، المعالجج التنفسي فيما كان يعرف في السابق بسنترال فالي، ما يلي حول تأثير الزراعة عالية الكثافة على التلوث:

إننا نتحدث عن أمراض القلب وتشوهات المواليد وتقزُّم الرئة لدى الأطفال الذين يقضون وقتا طويلا يلعبون في الخارج. إننا نتحدث عن ارتفاع ضغط الدم وتزايد خطر السكتة الدماغية. نحن لدينا ثاني أعلى معدل للإصابة بالربو لدى الأطفال في الولايات المتحدة بأسرها.52

وتضم بعض معامل الألبان الضخمة في المنطقة آلاف الأبقار.53 وتؤدي فضلات هذه المعامل، إلى جانب استخدام المواد الكيمائية والمبيدات الحشرية، إلى كارثة صحية. ويواصل هاملتون حديثه قائلا: “يتعين علينا استخدام كميات هائلة من المواد الكيماوية كي تُستخرج المحاصيل المتعددة من التربة التي لدينا هنا… بوسع هذهه المبيدات التغلغل في جسم الإنسان حتى تصل إلى مستوى الجينوم ــــ وهو ما يعني أنه يمكنها التأثير على اللبنات الأساسية في جسم الإنسان.54

ويمكن لتسربات مياه الأمطار أن تدفع بالروث إلى القنوات والأنهار، ويمكن لكميات كبيرة منه أن تخلق “مناطق ميتة” في المياه. وقد نتج عن الزراعة التي تعتمد على الاستخدام “المفرط” للمخصبات في مناطق مستجمعات المياه في الميسيسيبي أن 6,000 متر مربع في خليج المكسيك لم تعد صالحة للاستهلاك.55

وفي الدول المتقدمة مثل بريطانيا والولايات المتحدة، تمكنت منظمات المزارعين من مقاومة الإجراءات الحكومية للحد من هذا التلوث. وفي الولايات المتحدة “لا يقوم الكونجرس بمراقبة الزيادة المفرطة في النيتروجين الناتج عن المزارع، ولا يفرض ضريبة على استخدام المخصبات في الزراعة”. وبدلا من ذلك، يدفع للمزارعين كي يتركوا الأرض غير مزروعة لفترة لأجل الحد من التلوث. وبمعنى آخر، تدفع الحكومة للمتسببين في التلوث بدلا من معاقبتهم. وفي إحدى الحالات، عندما كان آل جور يخطط لفرض ضريبة على مزارعي السكر في فلوريدا بغرض تمويل عملية تنظيف إيفرجليدز، اتصل أحد بارونات السكر بالرئيس -وقتها- بيل كلينتون كي يلغي خطة فرض الضريبة.56

ولا يقتصر أثر استخدام المبيدات الحشرية على الإنسان على أولئك الذين يعيشون بالقرب من مناطق المزارع المصنعة الكثيفة. ذلك أنه في العالم النامي توجد أعداد أكبر من السكان تعمل بالزراعة، وهو ما يهدد المزيد من البشر. وتُعتبر محاصيل الشاي والقطن والبن والخضروات كثيفة الاستخدام للمبيدات، وهو ما يعرِّض مساحات كبيرة من الأرض وأعدادا كبيرة من السكان للمواد الكيماوية. ووفقا لتقدير منظمة الصحة العالمية، يموت 20,000 عامل سنويا، أغلبهم في العالم النامي، جراء التعرض للمبيدات.57

ويجلب استخدام المبيدات منافع ومشاكل محتملة في الوقت ذاته. ففي ظل “الثورة الخضراء” في السبعينيات، تزايد حجم المحاصيل بشكل كبير، حيث جرى تطوير سلالات جديدة من المحاصيل. وإلى جانب ذلك، تزايد استخدام المبيدات، وهو ما ارتبط بقوة بزيادة الدعم الحكومي. وفي بعض الأحيان، كان الإفراط في استخدام المبيدات مؤديا إلى دمار أوسع للبيئة (إلى جانب تكلفته فيما يخص صحة البشر). ففي إندونيسيا على سبيل المثال، في بداية الثمانينات أدى تزايد الدعم الحكومي الكبير للمخصبات والمبيدات إلى الإفراط في استخدامها في حقول الأرز. وفي الوقت الذي يؤدي فيه استخدام المبيدات إلى قتل الحشرات، فإن الإفراط في استخدامها يؤدي إلى دمار كائنات كانت أساسية في مكافحة هذه الحشرات (مثل العناكب). وعندما استطاعت “حشرات سيئة” مثل الفلقورينات، تطوير القدرة على مقاومة المبيدات، اضطُرت الحكومة إلى حظر 75 نوعا من المبيدات كي تسمح بتعافي بعض الحشرات التي تساهم في السيطرة على الآفات الزراعية.58

وكان أحد ردود الأفعال على ذلك عودة بعض المزارعين والمستهلكين إلى المحاصيل العضوية، بغرض الحد من استخدام الوسائل الاصطناعية في مكافحة الآفات. وتُعتبر الزراعة العضوية محاولة لجعل الزراعة أكثر استدامة وتنوعا بيولوجيا وصحية، عن طريق الحد من استخدام الكيماويات الصناعية. وعلى سبيل المثال، جرى استخدام وسائل مثل دورات المحاصيل والروث ومحاصيل التغطية من أجل تجديد التربة، بدلا من الاعتماد على المخصبات الاصطناعية.

ويمثل ذلك رد فعل مفهوما على الزراعة المصنعة، لكننا يجب أن نتعامل بحذر مع محاولات إهمال الفوائد الحقيقية للتطور التكنولوجي في الزراعة الذي جلبته الثورة الخضراء. فعلى سبيل المثال، كانت الهند سنة 1964 تنتج 12 مليون طن من القمح على مساحة 14 مليون هكتار. وبعد ذلك بـــ 30 عاما، بلغ إنتاج القمح 57 مليون طن على مساحة 24 مليون هكتار. وتبين الحسابات أنه بدون مزايا الثورة الخضراء، كانت الهند ستحتاج إلى 36 مليون هكتار إضافية من المساحات المزروعة.59 ولاا تحمي الزراعة العضوية في حد ذاتها من المخاطر الصحية. ففي 20066، توفي ثلاثة أشخاص وأصيب المئات بميكروب الإشريكية القولونية نتيجة زراعة السبانخ فيي إحدى المزارع العضوية في كاليفورنيا، وتوفي تسعة أشخاص من السالمونيلا الناتجة عن مزارع الفول السوداني العضوية في تكساس وجورجيا. وفي 2011، توفي 53 نتيجة الإشريكية القولونية بعدما تناولوا براعم الفاصوليا من مزرعة عضوية في ألمانيا.60 وتبين هذه الأمثلة أن المشكلة ليست في مجرد استخدام المبيدات وأن الحلل ليس ببساطة الزراعة العضوية، بل إن المشكلة تكمن في مجموعة كاملة من العمليات الخاصة بالزراعة والتي يمكن أن تؤدي إلى مشاكل صحية.

ونظرا لأن الزراعة العضوية أقل اعتمادا على الوقود الأحفوري (الذي يُستخدم في صناعة المبيدات والكيماويات)، فإنها يمكن أن تؤدي إلى تخفيض كبير في إجمالي انبعاثات الغازات التي تسبب الاحتباس الحراري. وعلى سبيل المثال، يخلُص تقرير صدر في 2006 إلى أنه إذا جرت زراعة 10 بالمائة من الذرة الأمريكية بطريقة عضوية، فإن ذلك يمكن أن يوفِر 4.6 ملايين برميل نفط. ويمكن أن ينطبق ذلك أيضا على زراعة اللحوم. وقدَّرت جمعية التربة في المملكة المتحدة أن الألبان العضوية تستخدم طاقة تقل بمعدل 38 بالمائة عن تلك التي تستخدمها الألبان غير العضوية. أما اللحم البقري المنتَج بطريقة عضوية، فهو يستخدم طاقة أقل بمعدل 35 بالمائة، في مقابل طاقة أقل 25 بالمائة فيما يخص الخراف.61 ونكرر، يجب ألا نرى هذه الأرقام خارج السياق. فقد توصل تقرير لجامعة أكسفورد صدر في 20122 إلى أن “النظمم العضوية تكون في الأغلب أفضل للبيئة بالنسبة لوحدة الأرض، لكن النظم التقليدية تكون أفضل للبيئة بالنسبة لوحدة الإنتاج”. ويتناقض هذا التقرير أيضا مع الأرقام التيي أوردتها جمعية التربة، حيث يطرح أن”الألبان والحبوب ومزارع الخنازير العضوية أنتجت بالنسبة لوحدة الناتج غازات مسببة للاحتباس الحراري تزيد عن تلك الناتجة عن استخدام البدائل التقليدية”.62

ولعل الخلاصة الأساسية هنا أن طرق الزراعة العضوية لديها الكثير كي تقدمه من وجهة النظر البيئية. لكن فوائد هذه الزراعة ليست تلقائية، وتعتمد على الحجم والنطاق، وكذلك على استخدام التكنولوجيا بطريقة مصممَة كي تقلل من الأضرار على البيئة. ويقول كولين تادج، أحد النشطاء البريطانيين في حملة “الزراعة المستنيرة”، إن “الزراعة العضوية لا يجب أن تكون الشرط المطلق… بل يجب أن تكون الوضع الافتراضي: أي يجب أن تكون هي ما يفعله المزارعون إلى أن يجدوا سببا بيولوجيا جيدا للقيام بشيء آخر”.63

وهناك أثر بيئي وصحي أخير للزراعة يرتبط بصناعة اللحوم على وجه الخصوص – هو استخدام المضادات الحيوية لعلاج الحيوانات وتحسين نموهم وإنتاجيتهم. “وفي الولايات المتحدة، يجري استخدام 80 بالمائة من المضادات الحيوية في المزارع، و70 بالمائة… من أجل تعزيز النمو أو منع الأمراض وليس بغرض العلاج”.64 ويرتبط استخدام المبيدات بشكل خاص مع المزارع المصنعة، حيث يؤدي حبس الحيوانات إلى إمكانية انتقال المرض بسهولة.

غير أن الاستخدام المكثف للمضادات الحيوية يؤدي إلى تقوية البكتيريا المراد تدميرها بواسطة هذه المضادات، والتي يمكن أن تتسلل بعد ذلك إلى سلاسل الغذاء أو جسم الإنسان عن طريق الروث وغيره. وعلى سبيل المثال، يحمل ما يزيد عن نصف مربي الخنازير في هولندا وكذلك 40 بالمائة من الخنازير سلالة البكتيريا العنقودية الذهبية المقاومة للميثيسيلين. وتشير الاختبارات إلى أن هذه البكتيريا موجودة في 35 بالمائة من اللحم النيء في هولندا. وفي بريطانيا، وُجدت 15 حالة تحمل سلالة جديدة من العنقودية الذهبية المقاومة للميثيسيلين في الألبان التي تنتجها معامل الألبان البريطانية سنة 2011. وتؤدي الزراعة المصنعة والإفراط في استخدام المضادات الحيوية إلى خلق سلالات فائقة من الأمراض. وتوصلت دراسة حول السالمونيلا في الدجاج البريطاني إلى أن طيور الأسراب الصغيرة التي لا يتم حبسها في أقفاص تكون أقل عرضة لحمل المرض.65 وفي 201000:

تَبين أن 18 بالمائة من الأسراب المحبوسة في أقفاص مصابة بالسالمونيلا الملهبة للأمعاء، وهي السلالة الأكثر انتشارا التي تُسبب تسمم الغذاء، وذلك في مقابل 3 بالمائة من الأسراب غير المحبوسة في أقفاص. وكانت الأسراب الأكبر التي تضم 30,000 طائر أو أكثر عرضة لحمل السالمونيلا بمقدار سبعة أمثال الأسراب الصغيرة التي تضم 3,000 دجاجة أو أقل.66

وترتبط الأمراض الفيروسية مثل أنفلونزا الطيور وأنفلونزا الخنازير بشدة بالتربية الكثيفة للدجاج والخنازير، التي توفِر ظروفا مثالية لتطور سلالات جديدة من هذه الأمراض.

لا شك أن الزراعة المصنعة تمثل تهديدا لكل من البيئة وصحة الإنسان.67 لكن ما هو السبب في ذلك؟

الزراعة في ظل الرأسمالية

ترتبط الزراعة بقوة بصعود الرأسمالية. وقد رأي ماركس في “تجريد المنتِج الزراعي… من التربة68″ عاملا رئيسيا في التراكم البدائي الذي شكّل أساس تطور المجتمع الرأسمالي. وقد خلقت هذه العملية قاعدة الإنتاج الرأسمالي، لكنها أيضا غيرت طبيعة الزراعة وعززت من نمو الصناعة الحضرية:

كان سلب أملاك الكنيسة، ومصادرة ملكيات الدولة عبر الاحتيال، ونهب الأراضي المشاع، واغتصاب الملكية الإقطاعية والعشائرية، وتحويلها إلى ملكية خاصة حديثة في ظل ظروف الإرهاب الطائش، مجرد نماذج مثالية لطرق التراكم البدائي. فقد غزوا الحقول بغرض الزراعة الرأسمالية، وجعلوا من التربة جزءا لا يتجزأ من رأس المال، وخلقوا من أجل الصناعة في المدن الإمدادات الضرورية من البروليتاريا “الحرة” والمحظورة.69

صُممت الزراعة في ظل الرأسمالية، مثلها مثل فروع الإنتاج الأخرى، كي تناسب احتياجات الرأسماليين لمراكمة الثروة من أجل المزيد من التراكم. وحيث إن المجال لا يسمح بتناول تطور الزراعة الحديثة بالتفصيل، فإن النقطة الأساسية التي يتعين الإشارة إليها هنا هي أن الزراعة في العالم المتقدم، التي تدعمها الحكومات بقوة ويسيطر عليها عدد قليل من الشركات، تأتي على حساب الزراعة التقليدية، والزراعة صغيرة النطاق والمعاشية، التي سادت تاريخيا في معظم مناطق العالم.70

وتُلخِص هذه السيطرة شركة كارجيل التي تأسست في 1865 ومقرها مينيسوتا. وتُعتبر كارجيل حاليا واحدة من أكبر الشركات الخاصة في العالم، حيث بلغت قيمة مبيعاتها في 2015 حوالي 120.4 مليار دولار، ومكاسبها 1.58 مليار دولار. ويعمل لدى الشركة ــــــــ التي تتاجر في كل شيء، من القطن إلى علف الحيوان إلى اللحوم إلى الكاكاو والملح ـــــــ ما يزيد على 150,000 فرد في 70 بلدا. وتقول الشركة إن “كارجيل بيف هي واحدة من أكبر مُصنعي اللحم البقري في أمريكا الشمالية”، حيث تربي أكثر من 8 ملايين رأس ماشية، وتنتج حوالي 8 مليارات رطل من لحوم الأبقار المعلبة ومشتقاتها كل سنة”. ولدى الشركة أسطولها الخاص، الذي يتضمن 500 سفينة تقوم بتوزيع منتجاتها، من بينها 120 سفينة عملاقة، هي الأكبر من نوعها في العالم فيما يخص سفن البضائع الجافة.71

وتتمتع شركات مثل كارجيل بنفوذ ضخم لدى النظام الغذائي العالمي. وفي 2005، كانت هناك أربع شركات تسيطر على 80 بالمائة من إنتاج اللحم البقري في الولايات المتحدة. وكانت ثلاث من هذه الشركات ــــــ إضافة إلى شركة رابعة ــــــــ تسيطر على 60 بالمائة من إنتاج لحم الخنزير. ويأتي 50 بالمائة من إنتاج الدجاج من أربع شركات أخرى.

وتوضح كل من سيلفيا ريبيرو وهوب شاند الدور السلبي الذي تلعبه الشركات الكبيرة في الزراعة على النحو التالي:

سمح تركُز الشركات في الزراعة لعدد قليل من الشركات النافذة بالسيطرة على أجندة البحث في هذا المجال، والتأثير على التجارة المحلية والدولية والسياسة الزراعة، وتوجيه عملية قبول تقنيات جديدة باعتبارها حلولا “تستند إلى أساس علمي” وتهدف إلى تعظيم إنتاج الغذاء. وبالرغم من أنه عادة ما يتم الترويج لهذه التقنيات باعتبارها تستجيب لاحتياجات الفقراء والجوعى في العالم، إلا أنها تجلب في الواقع المنافع لأولئك الذين يطورون هذه التقنيات ويسيطرون عليها.72

وحيث إن تعظيم الأرباح هو الهدف الأساسي لشركات مثل كارجيل، فإنها تعتبر أن جني الأرباح أهم من مصلحة البيئة والبشر. وقد كانت كارجيل، وعلى سبيل المثال، هدفا لحملة ضد الإنتاج المدمر لزيت النخيل، حيث تشير شبكة عمل الغابات المطيرة إلى أن الشركة لعبت “دورا في انقراض إنسان الغاب وتدمير الغابات المطيرة وعمالة الأطفال وانتهاكات حقوق الإنسان”.73 ويُستخدم زيت النخيل في إنتاج الغذاء على نطاق واسع، لكنه أصبح يُستخدم بصورة متزايدة كأحد مكونات الوقوددد الحيوي. ويجري الترويج للوقود الحيوي باعتباره بديلا للوقود الأحفوري، لكنه يخلق مشكلات بيئية مهمة، وهناك علامات استفهام حول قدرته على تقليل الانبعاثاتتت مقارنة بالوقود الأحفوري المُستخدم حاليا.

ولدى كارجيل استثمارات في قطاع الوقود الحيوي تُقدَّر بنحو مليار دولار.74 وبينما تقر الشركة بمخاطره على الأمن الغذائي والبيئة، فإنها تحرص على ألا تؤدي قواعد التنظيم إلى الحد من أرباحها من صناعة الوقود الحيوي:

تعتقد كارجيل أن الوقود الحيوي يمكن أن يلعب دورا مهما في تلبية احتياجات العالم البيئية، واحتياجاته من الطاقة، وجلْب رأس المال للاستثمار في الزراعة، وتعزيز التنمية الاقتصادية في المجتمعات الزراعية. غير أنه تجب الموازنة بين إنتاج الوقود الحيوي من المحاصيل الغذائية وبين الحاجة إلى توفير الغذاء لأجل سكان العالم الذين يتزايد عددهم. ونحن نؤيد الحوار بين الحكومات والمزارعين ومنتجي الماشية والخنازير والدواجن ومُصنعي الغذاء والجمهور، من أجل التفكير في وسائل للموازنة بين الحاجة إلى الطاقة المتجددة وبين الحرص على تأمين الغذاء وتوريد الأعلاف. ونحن نفضل السياسات الموجَهة من السوق، وليس القرارات غير المرنة أو الدعم أو الرسوم الجمركية.75

وبالرغم من الشكوك الجادة حول المزايا البيئية للوقود الحيوي، فإنه يمثل أحد مجالات الاستثمار الضخمة. وأثناء الاستعداد لسن قانون الزراعة لسنة 2014 في الولايات المتحدة، مارست شركات الطاقة الكبرى ضغوطا من أجل ضمان استمرار دعم الوقود الذي تتلقاه. وقد تنفق الشركات أموالا طائلة في ممارستها لهذه الضغوط. ويشير تقرير صادر عن “الحس المشترك لدافعي الضرائب الأمريكيين” عنوانه “البصمة السياسية لجماعة ضغط منتجي الإيثانول المستخرج من الذرة” Political Footprint of the Corn Ethanol Lobby إلى أنه “بين 2007 و2014، أنفقت كارجيل أكثر من 11 مليون دولار على ممارسة الضغوط. وأنفقت شركة دولية كبرى أخرى تعمل في إنتاج الغذاء، هي ارشر دانييلز ميدلاند، أكثر من 12 مليون دولار، بينما أنفق مكتب الزراعة ومنظمات الدولة الأمريكي نحو 49 مليونا.76

ويترتب على صناعة الوقود الحيوي تأثير كبير على الأمن الغذائي والبيئة. لكن الأرباح التي يمكن أن يجنيها مَن يستثمرون في هذا القطاع تجعل الشركات على استعداد للقتال من أجل ضمان استمرارها في إنتاج الحبوب. ويشرح بول مكماهون المشكلة على النحو التالي:

تعرضت سياسات الوقود الحيوي في أمريكا لانتقادات كبيرة، لأنها أدت إلى ارتفاع أسعار الغذاء ولم تترتب عليها سوى مزايا محدودة للبيئة… وليس لهذه السياسات أي علاقة بحماية البيئة ولا بإطعام الفقراء. وإلى حد طفيف، تكون هذه السياسات مدفوعة بالرغبة في توفير أمن الطاقة… لكن الهدف الأساسي من سياسة الوقود الحيوي هو تقديم الدعم المالي للمزارعين الأمريكيين. إنها الخطوة الأخيرة في سلسلة طويلة من المحاولات التي تهدف إلى إيجاد استخدامات لفوائض الحبوب في هذا البلد.77

ويوجد ارتباط قوي بين مصالح الشركات الزراعية ومصالح الحكومات. وقد أثبتت أزمة الغذاء في سنة 2008 أن عديدا من البلدان لم تكن مستعدة لتحمُّل ارتفاع الأسعار. وفي مواجهة هذه الأزمة، بدأت عدة بلدان في حماية مصالحها عبر تأمين الغذاء في بلدان أخرى، وهو ما كان يعني أحيانا قيام الشركات أو الدول بشراء أراضي زراعية (أو الوقود الحيوي) في إفريقيا وأمريكا الجنوبية. وأصبحت عمليات “اقتناص الأرض” هذه أقصر طريقة لإزاحة الفلاحين وطرق الزراعة المحلية والسكان الأصليين جانبا، في سبيل الأمن الغذائي والأرباح.

وفي أغلب الأحيان، تستخدم الشركات مسألة الأمن الغذائي في تبرير أفعالها. ففي 2009، على سبيل المثال، كان بيت التجارة الياباني ميتسوي يبحث عن “استثمارات زراعية” في أمريكا الوسطى وآسيا وشرق أوروبا. وبالتالي وفّر “للمزارعين المدخلات والآلات في مقابل الحق في شراء المحاصيل”، مشيرا إلى أن هذه “لم تكن صفقة جيدة فقط، بل إنها أيضا تلبي رغبة الحكومة اليابانية في تعزيز الأمن الغذائي القومي”.

وحاولت البلدان الكبرى مواجهة أزمة الغذاء لسنة 2008 عبر اجتماعات مجموعة العشرين ومجموعة الدول الصناعية العظمى الثماني. وبالرغم من أنه على الصعيد العالمي، تبنى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية النهج النيوليبرالي باعتباره أساس تنمية الاقتصاد العالمي، فإنه فيما يخص الغذاء والزراعة، اضطلعت بهذه المهمة ثلاث منظمات أساسية تابعة للأمم المتحدة، هي الصندوق الدولي للتنمية الزراعية، وبرنامج الغذاء العالمي (الذي يهدف إلى إدارة تقديم المساعدات الغذائية للمناطق التي ضربها الجفاف… إلخ)، ومنظمة الأغذية والزراعة (الفاو). وأخيرا، تسعى المجموعة الاستشارية للبحوث الزراعية العالمية، التي ترتبط بالبنك الدولي، إلى “تمديد إرث الثورة الخضراء الأصلية التي حدثت في الستينيات والسبعينيات، عبر استخدام العلم في ابتكار حبوب محسّنة وطرق للزراعة أكثر إنتاجية واستدامة… في العالم النامي”.79

ساعدت جميع هذه المنظمات على ضمان استمرار تغلغل السياسات النيوليبرالية بعمق في نظم الغذاء والزراعة في العالم. ويمكن أن نرى ترجمة ذلك عمليا عبر برامج التكيف الهيكلي للبنك وصندوق النقد الدوليين في الثمانينيات والتسعينيات. فقد عملت هذه البرامج على تقليص دور الدولة في الزراعة في العالم النامي بصورة منهجية، وروجت لإنتاج الغذاء بهدف التجارة. وكما أوضح وزير الزراعة الأمريكي جون بلوك في 1986، “فكرة أن الدول النامية يجب أن تطعِم نفسها هي بمثابة مفارقة تاريخية تعود إلى عصر مضى. ومن الأفضل لهذه الدول أن تضمن أمنها الغذائي عن طريق الاعتماد على المنتجات الزراعية الأمريكية، وهذه متاحة بتكلفة أقل في معظم الأحيان”.80

لكن حتى البنك الدولي اضطُر للاعتراف بأن نتيجة برامج التكيف الهيكلي كانت كارثية بالنسبة للزراعة. في تقرير التنمية في العالم World Development Report، الصادر في 2008، أقر البنك الدولي بما يلي:

أدى التكيف الهيكلي في الثمانينيات إلى تفكيك النظام المحكم من المؤسسات العامة التي تقدم للفلاحين الأرض والائتمان والتأمين والمدخلات والمنظمات التعاونية. وكان من المتوقع أن يؤدي القضاء على دور الدولة إلى تحرير السوق مما يسمح للقطاع الخاص بالاضطلاع بهذه الوظائف… تؤدي الأسواق غير الكاملة والفجوات المؤسسية إلى فرض تكاليف ضخمة في ظل النمو الضعيف، وتجلب الخسائر لصغار المنتجين، مما يهدد تنافسيتهم، بل واستمرارهم في كثير من الأحيان”.81

أهلكت سياسات البنك الدولي صغار المزارعين والفلاحين لمصلحة الشركات الزراعية. وكانت النتائج مروعة، حيث جرى تشريد سكان الريف، ودُفعوا نحو البطالة والبطالة المقنعة، أو أُجبِروا على البحث عن عمل في المدن.

وحيث إن السياسات النيوليبرالية تُملي التحول في اتجاه الزراعة واسعة النطاق على حساب المزارع المحلية الصغيرة، فإنها تؤدي أيضا إلى آثار سيئة بالنسبة للبيئة، وهو ما اعترفت به الحكومة البريطانية في سنة 2011:

تفتقر عديد من نظم الغذاء إلى الاستدامة. وبدون تغيير نظام الغذاء العالمي، فسوف يواصل النظام الحالي الإضرار بالبيئة وتهديد قدرة العالم على إنتاج الغذاء في المستقبل. كما أنه سوف يساهم في التغير المناخي وتدمير التنوع البيولوجي… لا نحتاج إلى أقل من إعادة تصميم النظام الغذائي بأكمله من أجل إعطاء الأولوية للاستدامة.82

هل أكل اللحوم هو المشكلة؟

لن يؤدي تحوُّل الأفراد إلى النظام الغذائي النباتي إلى الحد من انبعاثات الغازات الناجمة عن الزراعة. ذلك أن الأضرار البيئية الناتجة عن الزراعة ترتبط بطبيعة هذه الحرفة في ظل الرأسمالية، التي تجعل السعي وراء الربح هو المحدد للإنتاج. وتُعتبر الدعوة إلى التحول نحو نظام غذائي خالي من اللحوم استراتيجية خطرة بالنسبة لحركة الدفاع عن البيئة، لأنها تلقي باللوم على المستهلكين الأفراد وليس النظام ككل.

وكما قال أحد العلماء عن فيلم Cowspiracy :

تُعد أفلام مثل Cowspiracy غير قابلة للتصديق، ليس فقط لأنها تقوم بتحوير الحقائق العلمية، بل بسبب الأفكار التي تريد منا أن نؤمن بها، أي الادعاء بأن صناعة الوقود الأحفوري… ليست السبب الأساسي للاحتباس الحراري، وأن التحول إلى الطاقة النظيفة ليست المسألة الأهم بالنسبة لمستقبلنا ومستقبل أحفادنا، وأن آلاف العلماء قاموا بالتستر على الحقيقة بشأن القضية البيئية الأهم في هذا العصر.83

إن “النظام الغذائي الغربي” الذي كثيرا ما تجري السخرية منه باعتباره غير صحي ومدمر للبيئة، لا يُعتبر نتيجة لاختيارات المستهلكين، بل إنه يرتبط بمصالح الشركات. فقد أصبح إنتاج اللحم البقري فوق المراعي الأمريكية مرتبطا بقوة بإنتاج الحبوب، حيث كان إنتاج الحبوب بهدف تغذية الماشية مربحا للغاية، حتى أنه منذ أواخر الخمسينيات، ظهر توجُّه للتشجيع على زيادة استهلاك اللحم البقري. وكما أشارت إلين جراهام لي: “كان أكل اللحم البقري مربحا للغاية حتى أنه كان في مصلحة الشركات ضمان استمرار ارتفاع استهلاك الأمريكيين منه. ربما شعُر المستهلكون أن استهلاك الهامبورجر كان اختيارا حرا، لكنه في واقع الأمر، جرى بذل جهود حثيثة لتشجيعهم على ذلك”.84

بالرغم من أن اختيارات الأفراد حول الغذاء تُعتبر شخصية للغاية، فإنها أيضا تتشكل بواسطة العالم الذي يعيشون فيه. فربما يكون الغذاء المُصنّع أسوأ للبيئة والصحة، لكنه بالنسبة للوالدين اللذين يعودان إلى المنزل بعد يوم عمل طويل، يمثل هذا النوع من الغذاء الطريقة السريعة لإطعام الأطفال. ويمثل عنصر الوقت أحد العوامل وراء استهلاك هذا النوع من الغذاء، لكن تكلفة الوجبات السريعة أيضا تُعتبر أرخص بالنسبة لكل سُعر حراري مقارنة بالبدائل الأخرى.85

ولا يعني ذلك أننا يجب ألا ننتقد صناعة اللحوم بسبب تأثيرها على البيئة والصحة. لكن مشكلات السمنة وسوء التغذية تمثل مشكلات ترتبط بالطبقة، كما ترتبط بالإنتاج. وتكتب إلين جراهام لي:

إن المقولة التي ترى أن إنتاج كميات كبيرة من الطعام قليل القيمة الغذائية وكثيف الاستهلاك للطاقة في الغرب يسبب مشكلة للمناخ ولاستهلاك الغذاء على الصعيد العالمي (وبالتالي يؤدي إلى زيادة ميل بعض الأفراد إلى السمنة) تختلف تماما عن المقولة التي ترى أنه بغض النظر عن المصالح التي ترتبط بنمط إنتاج واستهلاك الغذاء، فإن المسؤولية تقع فقط على الأفراد الذين أصبحوا بدينين نتيجة هذا الاستهلاك.86

إن النضال من أجل زراعة مستدامة سوف يمثل في الوقت نفسه نضالا من أجل نظم غذائية أكثر صحية، في ظل تناقص استهلاك اللحوم للبعض وتزايده للبعض الآخر. ويعني تحقيق تلك الاستدامة تحدي أولويات النظام الغذائي الراهن، الذي نتيجة اهتمامه بالأرباح بدلا من إطعام البشر، فإنه يترتب عليه إهدار ثلث الطعام الذي يُنتَج لأجل الاستهلاك البشري، وهو ما يساوي أكثر من نصف الإنتاج السنوي من محاصيل الحبوب في العالم.87 ويعني ذلك تغيير نظام المزارع الصناعية كثيفة الاستهلاككك للطاقة، الذي يحظى بالهيمنة حاليا في دول العالم المتقدم، والذي يعني أن إنتاج طن من الذرة في الولايات المتحدة يستهلك 160 لترا من النفط في مقابل أقل من 5 لتراتتت في المكسيك.88 كما سوف يتطلب ذلك انتهاء نظام المزارع الصناعية والإفراط في إنتاج اللحوم التي تستهلك مساحات كبيرة من الأرض من أجل إنتاج علف الحيوان،،، وتسبب أضرارا كبيرة للبيئة، وتُشجع على استهلاك الغذاء غير الصحي. وفي الوقت الحالي، بوسع الحبوب التي تُستخدم كعلف للحيوان في المزارع الصناعية إطعام 333 مليار إنسان.89

في ظل الرأسمالية، لا يتقرر الإنتاج بواسطة الحاجة أو مجرد طلبات المستهلكين، بل وفقا لاعتبارات الربح. وتتسم صناعة الغذاء على نحو خاص بالبراعة في خلق الطلب على منتجاتها. ولن تتحقق الاستدامة في الغذاء والزراعة عن طريق إلقاء المحاضرات على الأفراد من أجل حثهم على التوقف عن شراء منتجات اللحوم، بل عن طريق التغيير الجذري لنظام الغذاء نفسه.

البديل

كما رأينا في السابق، يمكن الحد بدرجة كبيرة من انبعاث غازات الاحتباس الحراري من الزراعة حتى في ظل النظام الحالي. لكن إقناع المزارعين والشركات بجدوى الاستثمار في تكنولوجيا جديدة أو تغيير الممارسات الراسخة من أجل الحد من الآثار البيئية، سوف يعتمد على الحوافز المقدمة لهم والقدرة على الحفاظ على الأرباح في ظل الممارسات والتكنولوجيا الجديدة. وكما أشارت الفاو بشأن تربية الماشية: “في ظل غياب الحوافز المالية (مثل الدعم بغرض تقليل الانبعاثات) أو اللوائح الهادفة إلى الحد من الانبعاثات، فلن يستثمر معظم المنتجين على الأرجح في الوسائل التي تؤدي إلى تخفيف الانبعاثات إلا إذا كانت هذه الوسائل سوف تؤدي إلى زيادة أرباحهم، أو تقدم لهم مزايا إنتاجية أخرى مثل الحد من المخاطر.90

إن خلق زراعة مستدامة حقيقية قادرة على إطعام عدد سكان العالم المتزايد خلال القرن الواحد والعشرين سوف يعني تحدي الأولويات الحالية لنظام الغذاء العالمي، ومصالح الشركات الزراعية الكبيرة والمنظمات الدولية مثل البنك الدولي. وسوف يتطلب ذلك نضالات سياسية واقتصادية من جانب عمال العالم وفلاحيه.

ويشير بعض المعلقين إلى “الزراعة البيئية القائمة على التنوع البيولوجي” باعتبارها أحد الحلول. ويعني ذلك رفض الزراعة المصنعة وتشجيع الزراعة على النطاق الصغير. وتقول فاندانا شيفا، إحدى المدافعات عن هذا النهج، إنه “في ظل العولمة، يفقد المزارع هويته الاجتماعية والثقافية والاقتصادية كمنتِج. فقد أصبح المزارع الآن”مستهلكا” للحبوب والكيماويات مرتفعة الثمن التي تبيعها الشركات العالمية النافذة عن طريق ملاك الأرض الأقوياء ومقرضي الأموال المحليين”.91

ويمكن للزراعة التي يمارسها الملايين من أصحاب الحيازات الصغيرة والفلاحين في العالم النامي، أن تصبح أكثر استدامة وكفاءة فيما يخص إطعام السكان على نحو صحي وجيد. غير أن الزراعة المستدامة في الأجل الطويل لا يمكن أن تتحقق ببساطة عبر العودة إلى المزارع الصغيرة على الصعيد العالمي. ولا يعني ذلك رفض الزراعة الفلاحية. فبالرغم من أنه عادة ما يجري تصوير صغار المزارعين باعتبارهم غير منتجين، فإن العكس هو الصحيح، حيث يكون لهؤلاء المزارعين مزايا أخرى ــــ مثل الضرر الأقل للبيئة، والاستخدام المحدود للوقود الأحفوري، والتشجيع على التنوع البيولوجي وحمايته، والمرونة الأعلى في التعامل مع العواصف والأعاصير.92 ونظرا لأن المزارعين من أصحاب الحيازات الصغيرة يتجنبون زراعة المحصول الواحد، فإنهم ينتجون كمية غذاء أكبر بالنسبة لوحدة المساحةةة المزروعة مقارنة بالزراعة المصنعة الأكثر تركيزا. لكن ذلك يعتمد على العمل المضني من جانب الفلاح وأسرته. ويعمل في الزراعة 1.3 مليار فرد في العالم، ويعتمددد ثلت هؤلاء على قوة الحيوان، بينما يعتمد ثلث آخر على الأدوات اليدوية فقط. إذا هناك نحو 400 مليون فلاح يطعمون مليار فرد اعتمادا على الأدوات اليدوية وحدها، بدون مخصبات أو جرارات أو مبيدات أو علف الحيوان. ويتطلب ذلك ساعات طويلة من العمل اليدوي الشاق.93

وكما قال الماركسي الألماني كارل كاوتسكي في دراسته الكلاسيكية الصادرة في 1889 بعنوان المسألة الزراعية Agrarian Question، سوف يحتاج الأمر أن يكون المرء “معجبا عنيدا بملكية الحيازات الصغيرة كي يرى المزايا الناجمة عن إجبار صغار المزارعين على أن يعيشوا حياة تشبه حياة الحيوان، حيث لا يشغلهم في حياتهم سوى العمل ــــ إلى جانب الوقت المخصص للراحة والنوم والأكل”.94

لكن هناك حركات اجتماعية متصاعدة بين الفلاحين وصغار المزارعين، تطالب بسيطرة أكثر على أراضيهم وحياتهم. وقد خلُصت دراسة مقارنة حديثة بين الحركات الاجتماعية في أمريكا الوسطى والجنوبية إلى التالي:

بالنسبة للآلاف من الذين لا يملكون أرضا في البرازيل وآلاف الفلاحين من السكان الأصليين في تشياباس، كان الانضمام إلى حركة فلاحين بلا أرض البرازيلية أو جيش التحرير الوطني المكسيكي، زاباتيستا، بمثابة تجربة عميقة غيرت مسار حياتهم. وكان ربط مصيرهم بحركة فلاحين بلا أرض أو جيش التحرير الوطني المكسيكي يمثل خبرة سياسية سمحت لهم بالحصول على الحق في الأرض، أو حماية هذا الحق، بحيث يستطيعون إعالة أسرهم. إنها تجربة حولتهم إلى مسيسين وخلقت إحساسا بالعمل الفردي والجماعي لم يشعروا به من قبل في حياتهم.95

لكن هذه الحركات الاجتماعية لا تستطيع وحدها تغيير النظام الغذائي العالمي وسيطرة الشركات الزراعية الكبرى عليه؛ حيث إن تحقيق ذلك يتطلب تشكيل تحالفات أوسع يمكنها تحدي نظام الزراعة الرأسمالية بشكل مباشر.

كما أشار ميجيل أ ألتيري:

تدرك الحركات الاجتماعية الريفية أن تفكيك العقدة الزراعية الغذائية واستعادة نظم الغذاء المحلية، يجب أن يصاحبه تأسيس خيارات بيئية زراعية تناسب احتياجات صغار المنتجين والسكان غير الزراعيين من ذوي الدخل المحدود، وتقف في مواجهة سيطرة الشركات على الإنتاج والاستهلاك… إن التحرك نحو زراعة تتسم بقدر أكبر من العدالة الاجتماعية ومجدية اقتصاديا ومناسبة للبيئة سوف يكون نتيجة عمل منظم للحركات الاجتماعية الوليدة في القطاع الريفي، بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني الملتزمة بدعم أهداف هذه الحركات الفلاحية.96

ويُعد صغار المزارعين حبيسي شبكة عالمية أوسع من السلع، في ظل ميل رأس المال إلى الاستثمار في قطاعات المنبع والمصب في مجالات توريد المبيدات أو المحاصيل المعدلة وراثيا أو المعدات أو توزيع الغذاء. وفي واقع الأمر، فإن صمود المزارعين من أصحاب الحيازات الصغيرة والفلاحين، يُعتبر في حد ذاته ناتجا جزئيا عن احتياجات الزراعة الرأسمالية الأوسع نطاقا، التي تحتاج إلى العمل الذي يقوم به هؤلاء في أوقات بعينها من السنة، وتحتاج منهم أن يدبروا حياتهم بأنفسهم بواسطة حيازاتهم الصغيرة في الفترات التي تتخلل تلك الأوقات.97 وبالنسبة لملايين الفلاحين، لا توجد طريقة للخروج من هذه المصيدة بدون حدوث تغيرات جوهرية فيي النظامم الاقتصادي. وفي العالم المتقدم، لم يعد معظم المزارعين منتجين من أصحاب الحيازات الصغيرة كما كانوا يُرون في السابق، بل أصبحوا بمثابة مقاولين يخدموننن الشركات الكبيرة ويعتمدون على نزوات محلات السوبر ماركت.98 ويتطلب كسر هذه الحلقة من الفقر والعمل المضني إحداث تحوُّل في نظام الزارعة، بدلا منن الحنينن الرومانسي إلى نوع من الزراعة الفلاحية.

خاتمة

طور كارل ماركس في دراساته حول أعمال العالم الكيميائي الألماني جوستس فون لبيج نقدا للطبيعة غير المستدامة للزراعة في ظل الرأسمالية، كان مرتبطا بشدة بمفهومه حول الصدع الأيضي. وقال ماركس إنه يمكن وجود زراعة عقلانية، لكن ذلك يعني تغييرا في نظم الإنتاج والملكية. ففي ظل الرأسمالية، “بدلا من التعامل الواعي والعقلاني مع الأرض باعتبارها ملكية جماعية دائمة وشرطا لا غنى عنه لوجود واستمرار سلاسة الجنس البشري، نجد استغلالا وإهدارا لقوى الأرض”.99

في 1964 كتب توني كليف تحليلا وصفه بأنه “تحريفيا” بعنوان “الماركسية والزراعة الجماعية”، قال فيه إن الأثر المباشر للثورة الاشتراكية يمكن أن يكون “منح المزرعة الخاصة فرصة جديدة للحياة في ظل النظام الاشتراكي”. لكن تغيير نظم الإنتاج يمكن أن يقوض ذلك تدريجيا:

عن طريق رفع مستويات المعيشة في كل مكان وضمان التشغيل والحوافز الشاملة للعجائز والمرضى، سوف يقوض النظام الاشتراكي من القيمة الاقتصادية “”للاستقلالية” التي تعبَّر عنها الملكية الخاصة للمزارع… وبالتالي، فإن تنظيم الزراعة في المزارع التعاونية سوف يصبح عملية بطيئة للغاية، تعوقها بعض العوامل التي نشأت مع النظام الاشتراكي الجديد، ولن تجني حافزا كبيرا من التراجع المفترض في الزراعة الصغيرة في ظل التفوق التقني للمزارع الكبيرة. ومن ثم، فسوف تكون عملية تحويل الزراعة من الطرق الفردية إلى الجماعية نتيجة لوفرة الثروة والثقافة في المجتمعات المتقدمة للغاية. وبالتالي، فلن تجري الإطاحة بالزراعة الفردية، بل تهذيبها.100

وحده هذا النوع من الزراعة، الذي يجد جذوره في الملكية الجماعية للأرض ووسائل الإنتاج، سوف يكون قادرا على إنتاج ما يكفي من الغذاء الصحي من أجل إطعام العالم في الأجل الطويل.

الهوامش

1        I’d like to thank Alex Callinicos, Esme Choonara, Sarah Ensor, Suzanne Jeffery, Ian Rappel and Camilla Royle for their comments on drafts of this article.

2        Klein, 2015.

3        Graham-Leigh, 2014, pp7-8.

4        It is worth noting that Cowspiracy never mentions any agricultural corporations, nor does it investigate food production outside of the United States so there is no attempt to discuss the question of livestock agriculture in the developing world, or the role of animals (such as for ploughing or transport) in agriculture outside of their use for meat, milk and eggs.

5        Because this article focuses on the question of agriculture and climate change, some of the wider debates are only touched on or omitted entirely. There are many books that take these further including my own—Empson, 2014. Other books that are useful include Magdoff and Tokar, 2010, Lymbery, 2014, Graham-Leigh, 2014 and McMahon, 2013.

6        Goodland and Anhang, 2009, p11.

7        Gerber and others, 2013, pxii.

8        Steinfeld and others, 2006.

9        The FAO’s acknowledgement of “methodological refinements and improved data” is in Gerber and others, 2013, p15. See Paarlberg, 2013, p132 for more on the limits of the 2006 FAO report. The “flawed” figures are still quoted at http://www.cowspiracy.com/facts/ for example.

10      Chivers, 2016.

11      DEFRA, 2015b, pp16-19. Total UK emissions from agriculture in 2013 were 53.7 million tonnes of CO2 equivalent, a decrease of 19 percent since 1990. The decrease has a variety of causes, including a reduction in the amount of livestock and “substantial” reductions in the use of nitrogen fertilisers. Annual figures for the UK can be found in DEFRA, 2015a, p12.

12      Tubiello and others, 2014, p20 and p23. “CO2 equivalent” means the amount of CO2 that would have the same warming effect.

13      IPCC, 2014, p816.

14      Vermeulen, Campbell and Ingram, 2012.

15      Jones, 2014.

16      FAO figures from http://faostat3.fao.org/home/E

17      Gerber and others, 2013, p23.

18      Gerber and others, 2013, pp68-69.

19      Gerber and others, 2013, p46.

20      Gerber and others, 2013, pp50-51.

21      Gerber and others, 2013, p40.

22      Gerber and others, 2013, p41.

23      Gerber and others, 2013, p42.

24      Gerber and others, 2013, p53.

25      Gerber and others, 2013, p42.

26      Ince, 2014. I am indebted to John Parrington for pointing this out to me.

27      Gerber and others, 2013, pp76-78.

28      Lymbery, 2014, p193.

29      For more on the industrial chicken, see Lymbery, 2014, pp187-196.

30      Gerber and others, 2013, pp35-36.

31      Gerber and others, 2013, p44.

32      Adonizio, Kook and Royales, 2012, p2.

33      Pollack, 2010, pp200-202.

34      USGCRP, 2016.

35      Foster, Clark and York, 2010, p46.

36      Marx, 1992, p949.

37      Lymbery, 2014, p13.

38      Lymbery, 2014, pp63-64.

39      Lymbery, 2014, p68.

40      Lymbery, 2014, p70.

41      Philpott, 2014a.

42      I am indebted to Adam Rose for this point.

43      Quoted in Foster and Clark, 2016.

44      McMahon, 2013, p89.

45      Philpott, 2014b.

46      Shiva, 2014, p222.

47      Magdoff and Tokar, 2010, p243.

48      McMahon, 2013, p66.

49      McMahon, 2013, p66.

50      Lymbery, 2014, p172.

51      Agriculture run-off in the UK is one of the major reasons why the UK is not expected to meet the Water Framework Directive well beyond the deadline of 2021.

52      Lymbery, 2014, p23.

53      China also has enormous cow factories. In July 2015 one was being built to house 100,000 cattle to supply milk and cheese to Russian markets. Go to http://www.fwi.co.uk/livestock/china-building-100000-cow-dairy-unit-to-supply-russian-market.htm

54      Lymbery, 2014, p24.

55      Paarlberg, 2013, pp117-118.

56      Paarlberg, 2013, pp127-128.

57      Hashmi and Khan, 2011, p161.

58      Paarlberg, 2013, pp72-73.

59      Paarlberg, 2013, p73.

60      Paarlberg, 2013, p173.

61      Figures from, Lymbery, 2014, pp238-239.

62      Paarlberg, 2013, p175. The Oxford University study is summarised at http://www.ox.ac.uk/news/2012-09-04-organic-farms-not-necessarily-better-environment

63      Tudge, 2011, p68.

64      Lymbery, 2014, p139.

65      Lymbery, 2014, pp144-145.

66      Lymbery, 2014, p145.

67      While this article focuses on agriculture, these conclusions are also true of the fishing industry. See Lymbery, 2014, chapter 5, and Ensor, 2016.

68      Marx, 1990, p876. See Saito, 2014, for an important study of how Marx developed his understanding of capitalist agriculture in the context of contemporary scientific debates.

69      Marx, 1990, p895.

70      I’ve explored this in detail in chapter 10 of Empson, 2014.

71      All information on Cargill Inc. from http://www.cargill.com (accessed March 2016).

72      Quoted in Bello, 2009, pp110-111.

73      Rainforest Action Network, 2014.

74      Bello, 2009, p109.

75      Go to http://www.cargill.com/news/issues/climateenergynaturalresources/biofuel-policy/index.jsp

76      Go to http://www.taxpayer.net/library/article/updated-political-footprint-of-the-corn-ethanol-lobby

77      McMahon, 2013, p58.

78      McMahon, 2013, p171.

79      Paarlberg, 2013, pp210-211.

80      Quoted in Bello, 2009, p76.

81      Quoted in Bello, 2009, p81.

82      Quoted in McMahon, 2013, p69.

83      Boucher, 2016.

84      Graham-Leigh, 2014, p56.

85      Graham-Leigh, 2014, p172.

86      Graham-Leigh, 2014, p17.

87      See the FAO’s “Key Facts on Food Loss and Waste you Should Know!”—www.fao.org/save-food/resources/keyfindings/en/

88      Magdoff and Tokar, 2010, p65.

89      Lymbery, 2014, p253.

90      Gerber and others, 2013, p60.

91      Quoted in Bello, 2009, pp35-36.

92      Altieri, 2009.

93      Mazoyer and Roudart, 2006, p13.

94      Kautsky, 1988, p111.

95      Vergara-Camus, 2014, p301.

96      Altieri, 2009, p112.

97      See Boltvinik, 2012.

98      Thanks to Ian Rappel for this point.

99      Marx, 1992, pp948-949. It should be noted that here Marx criticises both “small-scale” and “large-scale” agriculture for this failing, but argues that they fail for different reasons. Small-scale farming is at fault because of “a lack of the resources and science needed to apply the social productive powers of labour”, but in the case of large-scale agriculture it is because of the “exploitation of such means for the most rapid enrichment of farmer and proprietor”.

100     Cliff, 1964.

نشرت في إنترناشيونال سوشياليزم، أكتوبر 2016

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s