كارل ماركس: حول الهجرة – ديفد إل. ويلسون

Posted: 31 يوليو 2017 in كلاسيكيات الماركسية, مختارات سياسية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , , , ,
ديفد إل. ويلسون
ترجمة: فريق الترجمة
الناشر: ما العمل؟
المصدر: مونثلي رفيو

يوم 9 أبريل/نيسان عام 1870، كتب ماركس رسالة طويلةً إلى سيغفرد ميير وأوغست فوغت، اثنان من معاونيه في الولايات المتحدة. تطرق ماركس فيها إلى عددٍ من المواضيع، ولكن جل تركيزه كان على «المسألة الإيرلندية»، بما في ذلك آثار الهجرة الإيرلندية في إنكلترا. يبدو أن هذا النقاش شكّلَ أشملَ معالجةٍ قام بها ماركس للهجرة، وإن كانت أبعد ما تكون عن تحليلٍ شامل، فهي تظلُّ مثيرةً للاهتمام بصفتها عيّنةً من تفكير ماركس حول المسألة، أقلُّها في يومٍ من أيام 1870.

ونظرًا للمناظرات الحادّة حول الهجرة، بل والملاسنات اللاذعة مرارًا، الجارية في الولايات المتحدة وأوروبا، إنه لمن المفاجئ أنّ الرسالة إلى ميير وفوغت لم تتلقى إلا قليلًا من الاهتمام من اليسار الحديث. تجاهل مناصرو/ات حقوق المهاجرين/ات، بالتحديد، أفكارَ ماركس حول المسألة، خصوصًا ملاحظته، التي تعكس تقديره لكيفية سير النظام الرأسمالي، أنّ تدفق المهاجرين الإيرلنديين المتلقّين أجورًا زهيدة إلى إنكلترا دفع بأجور العمّال الإنكليزيين بَلَديّي المولد (native-born) إلى الأسفل. واقعًا، اصطف العديد من مناصري/ات حقوق المهاجرين/ات المعاصرين/ات مع الاقتصاديين الليبراليين المُصرّين على أن الهجرة تحسّن فعليًا أجورَ العمّال بَلَديّي المولد.

ماركس حول الهجرة الإيرلندية

في رسالته المُرسَلة عام 1870، أشار ماركس أنّ السياسة الإنكليزية تجاه إيرلندا تستند رئيسيًا على المصالح الاقتصادية لرأسماليي إنكلترا الصناعيين وأرستقراطيّتها المالكة للأراضي. كتب أنّ الأرستقراطية الإنكليزية والبورجوازية كان لديهما «مصلحة مشتركة…في تحويل إيرلندا إلى مجرد مرعى يوفّر للسوق الإنكليزية اللحم والصوف بأرخصِ الأسعار الممكنة». وكان للرأسماليين أيضًا مصلحةٌ في «في تخفيض التعداد السكاني الإيرلندي، عبر الإخلاء والتهجير القسري، إلى عددٍ صغير بما يكفي كي يشتغل رأس المال الإنكليزي (رأسمالٍ مُستثمَر في أراضٍ مؤجّرة للزراعة) هناك بـ «أمان». ولها مصلحةٌ في إخلاء أراضي إيرلندا كتلك التي كانت لديها في إخلاء المناطق الزراعية في إنكلترا واسكتلندا. يجب أن تُوضَع بعين الاعتبار إيرادات المالك الغائب المتراوحة ما بين 6000 و10،000 جنيه وغيرها من الإيرادات الإيرلندية، المُتدفّقة سنويًا إلى لندن في الوقت الحاضر».

ولكن، أتبعَ ماركس، كان للبورجوازية الإنكليزية «مصالحُ أكثر أهمية بكثير في اقتصاد إيرلندا المعاصر»، ألا وهي الهجرة القسرية للعمال الإيرلنديين إلى إنكلترا:

نظرًا لتمركز عقود الإيجار المتزايد دائمًا، تُرسِل إيرلندا باستمرار فائضها إلى سوق العمل الإنكليزية، بالتالي تخفِّض الأجور وتُدّني الموضع المادي والمعنوي للطبقة العاملة الإنكليزية.

والأهمّ من كلّ ذلك! كلّ مركزٍ صناعي وتجاري في إنكلترا يملك الآن طبقةً عاملة منقسمة إلى مُعَسكريْن متخاصِميْن، كادِحون إنكليزيون وكادِحون إيرلنديون. يكره العاملِ الإنكليزي العامي العاملَ الإيرلندي بصفته منافِسًا يخفِّض مستوَاه المعيشي. وبالمقارنة بالعامل الإيرلندي، فهو يعتبر ذاته جزءًا من الأمّة الحاكِمة، وحصيلةَ ذلك يُصبِح أداةً في يد الأرستقراطيين والرأسماليين الإنكليزيين ضد إيرلندا، بالتالي معزّزًا سيطرتهم على ذاته. يقدّس التحيزاتِ الدينية والاجتماعية والقومية ضد العامل الإيرلندي. نظرته تجاه العامِل الإيرلندي تشبه، كثيرًا، نظرةَ «البِيْض الفقراء» إلى الزنوج في الولايات الاستعبادية السابقة في الولايات المتحدة الأمريكية. يردّ العامِل الإيرلندي الصاعَ صاعين. إذ يرى في العامل الإنكليزي شريكَ الحكام الإنكليزيين في إيرلندا وأداتهم الحمقاء.

تُبقَى هذه الخصومة، بشكلٍ مصطنع، على قيد الحياة، وتُغذى بواسطة الصحافة، ومنابر الوعّاظ، والرسومات الهزلية، أي باختصار، بكلّ الوسائل الواقعة تحت تصرف الطبقات الحاكمة. هذه الخصومة هي سرُّ عجز الطبقة العاملة الإنكليزية، رغم تنظيمها. إنّها السر الذي تحافظ به الطبقة الرأسمالية على حكمها، وهي واعيةٌ جدًا بذلك.

كتب ماركس هذه الفقرات قبل 150 سنة تقريبًا، وبالتأكيد لم يكن معصومًا: في الرسالة ذاتها، أشار بتفاؤل إلى أنّ استقلال إيرلندا قد يسرّع «الثورة الاجتماعية في إنكلترا». ولكن جزءًا كبيرًا من تحليله يبدو مُعاصِرًا للغاية.

تتضح التشابهات إن عوضنا ببلدان حوض الكاريبي عن إيرلندا وبالولايات المتحدة عن إنكلترا. مثلما السياسة الإنكليزية دمرت الزراعة ذات المستوى الصغير في إيرلندا، فقد اجتثّت البرامج النيوليبرالية المروَّجة أمريكيًا، مثل اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا) المُنتِجين الصِغار في المكسيك وأمريكا الوسطى وجزر الكاريبي، الأمرُ الذي دفع بملايينَ من المُهجَّرين للبحث عن العمل في الولايات المتحدة. وحال وصولهم إلى هنا، يُقْحَمُ المهاجرون المعاصِرون، مثل أسلافهم الإيرلنديين في إنكلترا، في وظائف متدنية الأجر وأوضاعٍ معيشية دونيّة، ليواجهوا عداوةً من العمّال بَلَديّي المولد الذين ينظرون إليهم بصفتهم منافسين. يزيد من تغذية هذه الخصومات تحيّزاتٌ عرقية وإثنية «تُبْقَى، اصطناعيًا، على قيد الحياة وتُشدَّد بواسطة الصحافة».

ولكن ماركس زعم أيضًا أنّ الهجرة الإيرلندية قادت بأجور العمال الإنكليزيين إلى الأسفل. تطرح القوى المعادية للهجرة في الولايات المتحدة مزاعم مشابهة اليوم. هل يضع ذلك ماركس في صفٍ واحد مع أمثال دونالد ترمب وشريف أريزونا السابق جو أربايو؟

نتائج الاقتصاديين فيما يتعلق بالأجور

أثر الهجرة على الأجور، واقعًا، نقطة نزاعٍ رئيسية في التناظر الحالي حول المهاجرين في الولايات المتحدة، حيث يحمل الأهلانيّون على الهجرة روتينيًا كونها تقلّل أجور العمّال أمريكيّي المولد، ويردّ نشطاء حقوق المهاجرين/ات بأنْ ليس للهجرة إلا أثرٌ سلبي ضئيل على بلديي المولد، أو أثرٌ إيجابي حتى.

سرعان ما يستشهد نشطاء هذه القضية، بطبيعة الحال، بالدراسات الأكاديمية المسانِدة لموقفهم، بينما تجدهم أقلَّ حماسةً لرؤية ما وراء ظواهِر الأمور وتحليل كيفية حصول الباحثين/ات على هذه الأرقام. إنَّ حساب تأثير الهجرة على الأجور مشروعٌ معقد، فهنالك تنوّعٌ من المناهج الإمبريقية المحتملة. إحدى الطرق تحاول ربط الأجور بمستويات الهجرة خلال فترةٍ مُعطاه. مثلًا، يفترض الكثيرون أنّ ركود نمو الأجور الحقيقية منذ سبعينات القرن الماضي مرتبطٌ بزيادة الهجرة خلال تلك الفترة. ولكن هنالك أسبابٌ عديدة أخرى محتملة، مثل: ضعف الحركة العمالية، خساراتُ الوظائف نتيجة الأتمتة ونقل تشغيل الشركات إلى الخارج من أجل خفض التكلفة، وهلم جرًا، ويصعب قياسُ هذه الأمور كميًا. دونَ اكتشافِ كونٍ بديل، ليس هنالك، بكل بساطة، طريقةٌ آمنة لتمثيل نموذجٍ لما ستكون عليه الأجور اليوم لو لم تحصل الهجرة.

يتضمن منهجٌ إمبريقيٌّ آخر مقارنة توجهات الأجور في أمكان مختلفة في البلاد. على سبيل المثال، إن ازدادت الأجور في مدينةٍ معينة أثناءَ ازدياد الهجرة فيها، بينما، في الوقت نفسه، تنخفض الأجور في مدينة أخرى تعاني من انخفاضٍ في الهجرة، قد تكون الهجرة الزائدة بالتالي عاملًا في رفع الأجور.

المنهج الثاني هذا هو المنهج الذي يفضله بورهاس وبيري، مستخدميْن وسائل إحصائية معقدة للتحكم ببقية العوامل، مثل ميل المهاجرين إلى الاستقرار في المناطق ذات الأجور المرتفعة، أو العمّال أمريكيّي المولد إلى الانتقال من الأماكن التي يواجهون فيها منافسةَ المهاجرين. ولكن عالميّ الاقتصاد وصلا إلى نتائج معاكسة، وفي كلا الحالتين، يمكن لهما تبيين علاقات ارتباطٍ فقط، وليس علاقاتٍ سببية. في نهاية المطاف، لن توفر لنا البيانات وحدها محصّلةً غير قابلة للجدل.

نماذج الاقتصاديين النظرية

لمعالجة هذه المشكلة، يتمّم بورهاس وبيري دراساتهما الإمبريقية بنماذج مستندة على النظريات الاقتصادية، معتمدة رئيسيًا على مفاهيم العرض والطلب. فحين يدخل المهاجرون القوى العاملة، يزيدون بذلك عرضَ العمّال دون زيادةٍ مباشرة في الطلب؛ لتكون النتيجة على المدى القصير هي ميل الأجور للانخفاض. وبمرور الوقت، تستقر مستويات الأجور، إذ أنّ المهاجرين الجدد سيزيدون أيضًا طلبَ البضائع والخدمات، وبالتالي العمال، ولكن هذه الآثار تتنوع في قطاعات اليد العاملة المختلفة. فكثيرٌ من الهجرات إلى الولايات المتحدة منذ 1970 وحتى 2008 تتضمن عمالًا ذوي تعليمٍ محدود وإجادةٍ محدودة للغة الإنكليزية، بحثوا عن وظائف يدوية في فترةٍ تقلص فيها الطلب على هذه الأعمال. النتيجة كانت وفرة عرض العمال اليدويين، الأمر المؤدي، كما هو متوقع، لخفض أجور العمال بلديي المولد في الفئات الوظيفية ذاتها. هذا هو أساس دعوى بورهاس بأن الهجرة تخفض الأجور.

يصقل بيري ومعاونوه نموذج العرض والطب البسيط هذا بتوظيف مبدئٍ يسموه «التكامليّة». في نظرهم، لا يستبدل المهاجرون ذوي الأجور الزهيدة العمّالَ بلديّي المولد ببساطة؛ نظرًا لمستوى إجادتهم المنخفض للإنكليزية، يأخذ المهاجرون وظائفًا لا تتطلب مهاراتِ تواصلٍ مُعتبَرة، مما يشجع العمال بلديي المولد على استخدام مهاراتهم التواصلية الأفضل للانتقال إلى وظائف أعلى رتبةً. مثلًا، كتب بيري عام 2010:

مع اتخاذ المهاجرين الشباب ذوي المستوى التعليمي المنخفض وظائفَ بناءٍ يدوية، يصبح لدى شركات البناء التي تُوظِّفهم فرصٌ للتوسع. وهذا يزيد الطلب على مشرفي البناء ومنسّقيه ومصمّميه وهلم جرًا. تلك وظائف تستلزم مهاراتِ تواصلٍ أعلى وعادةً يشغلها عمّالٌ أمريكيّو المولد خرجوا من وظائف بناءٍ يدوية. هذا التخصص التكامليّ في المهام عادةً ما يدفع العمال أمريكيي المولد إلى وظائف ذات أجورٍ أفضل، ويرفع كفاءة الإنتاج ويخلق الوظائف.

بالنسبة لبيري ومعاونيه، هذا العامل يعوض بل ويزيد على آثار العرض والطلب البسيطيْن. وفق نموذجهم، سيعمل تدفق المهاجرين منخفضي الأجر على تخفيض أجورِ العمال أمريكيي المولد بعض الشيء، وسيخفّضها بشدة للعمال المهاجرين الآخرين القاطنين في البلاد مُسبقًا. ولكن، يكتب بيري، إن الفائدة للعمال أمريكيي المولد ذوي التعليم الأفضل ترجّح على خسائر ذوي التعليم الأقل؛ فوفق حسابات بيري، يرتفع دخل العامل المتوسط على المدى الطويل ما بين 0.6 بالمئة و0.9 بالمئة لكل زيادة قدرها 1 بالمئة في نسبة السكان المهاجرين.

ما يغفله الاقتصاديون

رغمَ وصولهِما إلى خلاصاتٍ متعاكسة، يتشارك تحليلا بورهاس وبيري خللًا كبيرًا: افتراضهم أنّ المؤثرات الوحيدة المحددة لمستويات الأجور هي عرض العمالة وطلبها ومستويات تعليم ومهارة العمال المهاجرين. في العالم الحقيقي، طبعًا، تتفاعل هنا العديد من القوى الأخرى. تحصل النساء والأمريكيّون الأفريقيون على أجورٍ أقل من الرجال البِيْض، ولكن ذلك لا يسببه وفرة عرض النساء والأمريكيين الأفريقيين. وبالمثل، ليس سببُ حصول العامل النقابي على أجرٍ أعلى من قرينه غير النقابي كون الأول لديه تعليمٌ أفضل.

أغلب العمال المهاجرين ينتمون للأقليات الملوّنة، ومن الصعب تخيل أنّ التمييز العرقي لا يؤثر في مقدار أجورهم. أحد الطرق التي يحاول علماء الاجتماع التطرق لهذا المسائل عبرها، تقنيّةً «واهاكا-بلايندر» التفكيكية، وهي وسيلة إحصائية تحلل فروق الأجر بين الفئات المختلفة بمعرفة العوامل المعلومة المؤثرة على مستويات الأجور، مثل مستويي التعليم والمهارة، وتمشيط العوامل المجهولة الممكن تعزيتها للتمييز وإبعادها. كشفت دراسة أجريت عام 2016، مُستخدِمةً تفكيك واهاكا-بلايندر، أنْ حتى بين الأمريكيّين المكسيكيين من الجيل الثالث، لا تفسر العوامل المعلومة مثل التعليم والخبرة الوظيفية إلا 58.3 بالمئة من مستوى أجر العامل. ويظل التمييز أسوءَ أيضًا بالنسبة لذوي الأصول الأفريقية؛ فلهؤلاء العمال، لا تفسر العوامل المعلومة إلا 48.3 بالمئة في فروقات الأجور.

يميل علماء الاقتصاد الأكاديميّون لتجاهل الدور الذي تلعبه الحالة النظامية في تحديد مستويات الأجور، مع أن ثلث العمال المهاجرين في البلاد، أي حوالي 8،1 مليون اعتبارًا من 2012، غير نظاميّون وفق مركز أبحاث «بيو». يواجه هؤلاء العمال حاجزًا إضافيًا: فقد جُعِلوا «غير قانونيين» (illegal)، ونتيجة ذلك يعيشون تحت تهديدٍ دائم، تهديدُ الملاحقة والترحيل.

ففي القانون الأمريكي، يتمتع العمال غير النظاميين بأغلب الحقوق التي يتمتع بها بقية العمال، ومع ذلك لا يملكون حق المكوث هنا: في أيِّ لحظة، يمكن لأي مهاجرٍ غير نظامي أن يُحتجز ويُسجَن ويُجدوَل للترحيل. يكتسح الخوف كل جانبٍ من جوانب توظيف هؤلاء، بل حياتهم بشكلٍ عام. تهديدُ الترحيل سلاحٌ متوفر دائمًا لأرباب العمل حين يحاول العمّال غير النظاميّون الدفاع عن حقوقهم، في المطالبة بأجورٍ أعلى والتبليغ عن اعتداءاتٍ في مقر العمل والمطالبة بالتعويض عن الإصابات أثناء العمل وتشكيل نقابات. وقانونيًا، لا يملك هؤلاء العمال حق الحصول على تأمينِ بطالة أو أي جزءٍ آخر من أجزاء شبكة الأمان الاجتماعي المتهرّئة، وبذا يواجهون صعوبةً مُعتبَرة إن خسِروا وظائفهم الحالية. وإن كان القيام بإضرابٍ مجازفةً لأغلب العمال، فهو يتطلب لغير النظاميين منهم مستوىً خاصًا من الشجاعة.

هل من الممكن، إذًا، إجراءُ قياسٍ كميّ للعرقلة الأَجْرِيّة المفروضة جرّاء انعدام الحالة القانونيّة على العمال غير النظاميين؟ تطرقت دراساتٌ عديدة لهذه المسألة، غالبًا باستخدام تفكيك واهاكا-بلايندر. نظرًا لعدد المجاهيل الضخم، أنتجت هذه الدراسات تقديراتٍ متباعدة للغاية لفارق الأجور، تتراوح بين 6 بالمئة بين وأكثر من 20 بالمئة. ولكن كلها تتفق في أنّ فقدان الحالة القانونيّة لها أثرٌ سلبي أكيد على أجر المهاجِر. ولهذا يسير الأثر باستقلالية عن العرض والطلب – أو «تكامليّة» بيري. حتى إن كان هنالك وفرة عرضٍ للعمال منخفضي الأجر، سيبقى المهاجرون غير النظاميّون يُعْطَوْن أجورًا أقلّ، وبدرجةٍ محسوسة، من زملائهم أمريكيي المولد، وأقلّ أيضًا من العمال المهاجرين النظاميين.

ينتج هذا حتمًا ضغطًا مكينًا للأسفل على أجور العمال أمريكيي المولد في الفئات الوظيفية المتصفة بمستويات مشاركة عالية بواسطة المهاجرين غير النظاميين. مثلًا، وجدت دراسة عام 2005 أنّ العمال غير المصرّح لهم شكَّلوا 36 بالمئة من مجمل عمّال العزل الحراري و29 بالمئة من مجمل السقّافين ومركِّبي الألواح الجصية. حتى لو كانت العرقلة الأجريّة لهؤلاء منخفضة، فلنقل 6.5 بالمئة، فستخفّض، بلا شك، أجور العمال الآخرين في وظائف البناء هذه.

«طبقةٌ عاملة مقسّمة»

هنالك عاملٌ آخر يتجاهله الاقتصاديّون اعتبرهُ ماركس، بالتحديد، «أهمّها جميعًا»: الطريقة الممكن استخدام الهجرة بها لخلق «طبقةٍ عاملة مقسمة إلى معسكرين متخاصِمين». لربما بالغ ماركس حين سمى العداوة بين العمّال الإنكليزيين والإيرلنديين «سرّ عجز الطبقة العاملة الإنكليزية»، واليوم في الولايات المتحدة، ليست كراهية المهاجرين إلا واحدة من قوىً عديدة تمنع أغلبية السكان من تأكيد قوّتهم. فالعنصرية العرقية ضد الأمريكيين الأفريقيين، ومعها العنصرية الجنسية، والهوموفوبيا، وغيرها من أشكال الكراهية ما تزال تلعب دورها التاريخي في ثني العمال عن الاتحاد والتنظيم. ولكن الزينوفوبيا عاملٌ مهمٌ أيضًا، خاصّةً في ظل فترات ارتفاع مستويات الهجرة.

قد لا تكون هنالك طريقة بسيطة لقياس الأثر على الأجور كمّيًا، ولكن بإمكاننا أن نجد على الأقل مثالًا واحدًا مدهشًا لمدى فعالية كراهية المهاجرين في قلب الحركة العمالية ضد مصالح أعضائها. فرض «قانون إصلاح الهجرة والتحكم بها لعام 1986» لأول مرة غراماتٍ على أرباب العمل المتلبّسين بتوظيف عمّالٍ غير نظاميين. ووفق مناصري القانون، ستخفض هذه «العقوبات المفروضة على أرباب العمل» الهجرةَ غير النظامية بقطع طريق وصول المهاجرين إلى الوظائِف الأمريكية. الواقع هو أنّها، ببساطة، وفرت أداةً أخرى لاستغلال العمّال غير النظاميين استغلالًا فائقًا. توفر متطلبات وثائق الهجرة لهذا القانون ذريعةً لمداهمة مقرات العمل، وإقحام العديد من العمّال غير النظاميين في اقتصاد الظل (underground economy)، حيث ما زالوا يواجهون تحديّاتٍ متزايدة في الدفاع عن حقوقهم العمالية. حتى أربابُ العمل النظاميُّون قد يقلّلوا المدفوع للعمال المهاجرين – وبالتالي المحتمل أن يكونوا غير نظاميين – للتعويض عن تهديد الغرامات، بينما أربابُ عملٍ آخرون قد يستخدمون، وبشكلٍ روتيني، مقاولِين فرعيين، يتحملّون ذلك الخطر ويسدّدون للعمّال أقلّ من أسلافهم. واستجابةً للمشاعر المعادية للمهاجرين لدى النقابات العضوة، دعم «اتحاد العمالة الأمريكي ومؤتمر المنظمات الصناعية» (AFL-CIO) هذا الإجراء المعادي للعمالة في الفترة السابقة لسنّ قانون إصلاح الهجرة. ولم يتخلى اتحاد العمالة عن دعمه للعقوبات على أرباب العمل وأعلن دعمه تقنين العمال غير النظاميين حتى عام 2000.

فلنحارب الاستغلال، لا الهجرة

لم يُسهِب ماركس في شرح أسباب كتابته أنّ الهجرة الإيرلندية تخفّض أجور العمال الإنكليزيين. لكنه لمَّح لكون السبّب وفرة عرض العمال اليدويين، ولكن تصريحاته الأخرى تشير لاعتباره الزينوفوبيا الإنكليزية والخصومة الناجمة بين العمال مشكلةً أكبر. ولكن النقطة المهمة هنا هي عدم تحميله المهاجرين أنفسهم مسؤولية انخفاض الأجور؛ فبالنسبة له، الذنب يقع على النظام الاستعماري الذي دفع العمال الإيرلنديين على الهجرة إلى إنكلترا، والاستغلال الواقع على هؤلاء العمال حال وصولهم.

تنطبق الاعتباراتُ ذاتها على الولايات المتحدة اليوم. الفارق الرئيس إضافةُ الحالة النظامية كعاملٍ في ضبط مستويات الأجور – القوانين التي تجعل من العمل «غير قانونيّ» لملايين العمال المهاجرين. قد يشعر بعض مناصري/ات حقوق المهاجرين/ات بملاءمة الاستشهاد بعلماء اقتصاد أكاديميين، مثل بيري، يقللون من أهمية – أو ينفون – الضُغوطات السُفليّة على الأجور الناتجة عن استغلال العمال غير النظاميين. ولكن هذا الاستشهاد ليس كذلك. كما أشار عالم الاقتصاد في جامعة كولومبيا، موشيه أدلير، هذه المنهجية لن تُقنع المواطنين الأمريكيين الكثيرين العاملين في وظائف تشغلها أعدادٌ كبيرة من المهاجرين غير النظاميين وبالتالي «يعلمون من تجربتهم أّن [استغلال العمال المهاجرين] يضغط سُفليًّا على أجورهم». أبعد ما يكون عن مساعدة الحركة، الاستشهاد ببيري لا يزيد هؤلاء العمّال إلا ارتيابًا وامتعاضًا من مناصري/ات حقوق المهاجرين المنتمين/ات للطبقة الوسطى. والأهمّ من ذلك أنّ هذا المنهج يصرف انتباهنا عن مساعِ التصدي للقضايا الحقيقية: جذورُ أسباب الهجرة في السياسة الخارجية الأمريكية، والاستغلال الفائق للعمال المهاجرين، والمصالح المشتركة بين المهاجرين والعمال بلديي المولد.

عامَ 2010، اقترحت «حملة الكرامة» (Dignity Campaign)، وهي ائتلافٌ فضفاض مكون من أربعين منظمة عمالية ومناصرة لحقوق المهاجرين، منهجًا شاملًا يركّز على كل هذه المسائل. ومؤخرًا، أخذ برنامج حملة السيناتور بيرني ساندرز الرئاسية بعض الخطوات في هذا الاتجاه، بينما قدم البرنامج السياسي لـ «الحركة من أجل حياة السود» (Movement for Black Lives) توصياتٍ مهمة في أغسطس/آب عام 2016 لمحاربة الظلم والعنصرية العرقية الممنهجة الكامنة في قوانين الهجرة. أصبح المناخ السياسي مؤاتيًا للتنظيم على هذا النحو لا سيّما منذ الانهيار المالي لعام 2008. حتى حملة ترمب الرئاسية لعام 2016، ويا للمفارقة، لربما ساعدت: جرَّأت النشطاء الأهلانيين، ولكنها جعلت قطاعًا واسعًا من السكان أكثر استشعارًا للعنصرية العرقية الكامنة وراء الزينوفوبيا المعادية للمهاجرين/ات.

في رسالته المُرسَلة عام 1870، وصف ماركس ما اعتبره الأولوية الغالبة للتنظيم العمالي في إنكلترا: «أن تجعل العمّال الإنكليزيين يُدرِكوا أنه، بالنسبة لهم، تحرّر إيرلندا القومي ليس مجرد مسألة عدالة مجردة أو شعورٍ إنساني، إنما الشرط الأول لتحررهم الاجتماعي الذاتي». كانت كلماتُه الخِتامية الناصحة لميير وفوغت مشابهة: «لديكم مجالٌ واسع في أمريكا للعمل على هذا المنوال ذاته. سيكون ائتلافُ العمّال الألمانيين مع العمّال الإيرلنديين (وبالطبع، أيضًا مع العمال الإنكليزيين والأمريكيين المستعدّين للانضمام إليه) أعظم إنجازٍ يمكنكم تحقيقه الآن». هذه النظرة الأممية المستندة إلى الطبقة لم تفقد أيًّا من حِسِّها الجيد خلال قرنٍ ونصف قرنٍ مضت منذ كتابتها.

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s