Archive for the ‘مبادئ الاشتراكية’ Category

عمر الشافعي
الناشر: بالأحمر

ذا نص كتبته قبل سبع سنوات، في صيف 2010، أي عشية الثورة المصرية، في سياق نقاش سياسي داخل مجموعة تنتمي إلى أقصى اليسار المصري هي “تيار التجديد الاشتراكي” بشأن ما ينبغي أن يكون عليه نشاط “التثقيف” في صفوف اليسار الجذري. لم يُنشر المقال وقتها، وأظنه لا يزال صالحًا للنشر. وموضوع المقال هو المنهج الجدلي عند ماركس، وبوجه أخص، “التجريد” كنمط من التفكير يكمن في صميم المنهج الجدلي. وقد قمت بتجريد النص من مقدمته الأصلية المكتوبة في سياق لم يعد قائمًا، وأدخلت بعض التعديلات التي وجدتها ملائمة على خاتمته، لكنني أبقيت على النص عدا ذلك على حاله، باستثناء رتوش قليلة هنا وهناك. وآمل أن يفتح نشره نقاشًا حول المنهج الماركسي وأهمية النظرية في الممارسة الثورية.

كلمة سيئة السمعة

لأقل صراحة في البداية أنني سأدافع في هذا المقال عن كلمة سيئة السمعة في أوساط الثوريين هي “النظرية”. والنظرية سيئة السمعة لأنها تقترن في الأذهان بالمثقف المنعزل في برجه العاجي، المنكب على القراءة والتأمل، المحلق في سماء الفكر بعيداً عن الواقع، الناطق برطانة متعالية على “الجماهير” ومنفرة لها. ثم إن النظرية مجال معقد شائك مليء بالفخاخ يوقع من يوغل فيه في تناقضات لا مخرج منها. ألم يقل صلاح جاهين في إحدى رباعياته الجميلة:

الفيلسوف قاعد يفكر سيبوه

لا تعملوه سلطان ولا تصلبوه

ما تعرفوش إن الفلاسفة ياهوه

اللي يقولوه بيرجعوا يكدّبوه؟

عجبي!!

غير أن القول بأن النظرية سيئة السمعة لا ينطوي بالضرورة على إدانة لها، وإنما فقط اتّهام أو اشتباه. فالنظرية فتاة لعوب يوحي مظهرها وطريقة لبسها ومشيها وكلامها بأنها لا تسير على الصراط المستقيم. ولكن عقلاء القوم من المنصفين لا يجرؤون على اتهامها في “شرفها” إلا إذا ثبت “انحرافها” بالدليل القاطع. والدليل القاطع على فساد النظرية عندهم هو كونها “مجردة”. فيكفي أن تصف نظرية أو فكرة بأنها مجردة لكي يعني ذلك افتقارها إلى الواقعية والصواب، وبعدها عن الحياة والناس، وبالتالي إدانتها كمضيعة للجهد والوقت.

ولما كان المثل يقول إذا سرقت اسرق جملاً، فإنني هنا سأدافع تحديداً عن حق الفتاة اللعوب في “الانحراف”، عن حقها في ارتكاب “الرذيلة”، أو بعبارة أخرى لن أدافع فقط عن النظرية، وإنما عن النظرية المجردة، وبشكل أكثر تحديداً عن التجريد. ولن أدافع عن التجريد فقط كحق للـ”تجريديين” من الناس يدخل ضمن حقهم في التعبير، وإنما سأدافع عنه كما يرد في عنوان المقال بوصفه “ضرورة ثورية”. ولن أفعل ذلك فقط من باب أن سرقة الجمل أفضل من سرقة الدجاجة طالما أنني في الحالتين سأصبح لصاً! لا، لا ينطلق دفاعي عن التجريد أساساً من حكاية الجمل والفرخة، وإنما من حكاية السمكة والصنارة! تعرف بالطبع هذا المثل الصيني الذي يقول إنك إذا أردت أن تساعد محتاجاً، فجدير بك بدلاً من أن تعطيه سمكة يأكلها أن تعلمه الصيد. النظرية الماركسية، أو لنقل النظريات الماركسية لأنها متعددة وأحياناً متضاربة، بل والنظريات عموماً ماركسية كانت أو غير ماركسية، هي عبارة عن سمك، سمك من جميع الأنواع والأشكال، بعضه شهي لذيذ الطعم والبعض الآخر ماسخ، بعضه مغذي للجسم مفيد للصحة والبعض الآخر محدود القيمة الغذائية، بعضه مليء بالشوك والبعض الآخر يقل فيه الشوك (وإن كان المذاق اللذيذ لبعض أنواع السمك يبرر الجهد المبذول في نزع شوكه) ثم إنه سمك متطور متغير باستمرار. ولكن الصنارة التي تتيح لك الحصول على هذا السمك إنما تتمثل فيما يكمن وراء النظريات من مناهج في التفكير. وفي حالة الماركسية تحديداً، هذا المنهج هو المنهج الجدلي، الشهير باسم “المادية الجدلية”. والذي سأحاول قوله هنا، هو أن “التجريد” كنمط من التفكير يكمن في صميم المنهج الجدلي؛ “التجريد” إذا شئت هو الطُعم الذي يجتذب السمك إلى صنارة الماركسية. وسوف أزعم أيضاً أن هذا التجريد شرط ضروري للممارسة الثورية.

أكاد ألمح قارئاً ثورياً فطناً ممن يرتابون في النظرية وينفرون من التجريد يقول لي: أيوه كده! اظهر على حقيقتك وبان! لقد بدأت بحديث طريف عن الفرخة والجمل والسمكة والصنارة لكي تغوينا وتحببنا في قراءة مقالك، ثم إذا بك تدس السم في العسل وتنتقل بنا إلى الكلام “المجعلص” عن الجدلية والتجريد، والبقية لا بد آتية من هذه الرطانة التي لا معنى لها سوى أنها تعطلنا عن عملنا الثوري.

لا بأس. سأعقد معك (أو معكِ) اتفاق جنتلمان. سأعترف لك من جانبي بأن حديثي عن الفرخة والجمل والسمكة والصنارة ليس سوى حيلة ماكرة (وإن كانت خائبة بدليل أنك فقستها) لإغوائك. وفي مقابل صراحتي هذه، سأطلب منك أن تتواطأ معي بعض الشيء، وأن توافق مؤقتاً على لعب لعبة الإغواء، ولو من باب التحدي وإثبات مناعتك أمام مثل هذا الإغواء. إذا رفضت التحدي، فاذهب وعليك لعنة التجريديين إلى يوم الثورة! أما إذا قبلته فأنا أشكرك على هذه الفرصة الثمينة وأعدك بأن أحاول ألا أضيع الكثير من وقتك في محاولتي شبه اليائسة لإغوائك.

الواقع والنظرية، أيهما أبسط؟

أشكرك يا عزيزي على هذه الثقة أو على الأقل على هذا الصبر، ودعني بداية ألتقط الخيط من كلامك. فأنت في سخطك عليّ حينما “فقست” خطتي، تحدثت عن كلامي “المجعلص”. أنت الذي قلتها بلسانك، وهنا يا عزيزي مربط الفرس. نعم، الجعلصة هي مربط الفرس! فالذين ينفرون من النظرية يتهمونها دائماً بالتعقيد وبالصعوبة. لسان حالهم يقول إن العالم واضح بسيط، والنظرية غامضة معقدة. فهل هذا حقيقي؟ سأحاول أن أبين لك أن العكس هو الصحيح، أي أن العالم مجعلص والنظرية بسيطة نسبياً، ولكن لأننا نعيش في ظل أوضاع مقلوبة رأساً على عقب، فإننا نرى الأمر على عكس الحقيقة!

من الذي يرى العالم بسيطاً؟ الذي يراه بسيطاً، هو من يأخذ الأمور على ظاهرها، من يظن أن هذا العالم ليس له جوهر أعمق مما يبدو على سطحه. إليك كمثال هذا الحوار الطريف والمعبِّر بين رجل أعمال وصديقه، والذي تجده في الرسم الكاريكاتيري أسفل نقلي للحوار.[1]

صديق رجل الأعمال: ما الذي قلته لتوّك لهذا الرجل؟

رجل الأعمال: قلت له إن عليه أن يعمل أسرع.

صديق رجل الأعمال: كم تدفع له؟

رجل الأعمال: 15 جنيهاً في اليوم.

صديق رجل الأعمال: ومن أين لك بالمال الذي تدفعه له؟

رجل الأعمال: أنا أبيع منتجات!

صديق رجل الأعمال: من الذي يصنع هذه المنتجات؟

رجل الأعمال: هو يصنعها.

صديق رجل الأعمال: كم يصنع من المنتجات في اليوم الواحد؟

رجل الأعمال: يصنع ما قيمته 50 جنيهاً….

صديق رجل الأعمال: إذن فبدلاً من أن تدفع له أنت، هو يدفع لك 35 جنيهاً في اليوم

لكي تقول له إن عليه أن يعمل أسرع!

تبدو على رجل الأعمال علامات الارتباك والضيق، ويستنكر ما سمعه،

ثم يتمالك نفسه قائلاً: حسناً… ولكنني أمتلك الآلات!

صديق رجل الأعمال: كيف حصلت على الآلات؟

رجل الأعمال: قمت ببيع بعض المنتجات واشتريتها!

صديق رجل الأعمال: ومن الذي صنع هذه المنتجات؟

رجل الأعمال: اخرس…. فربما كان يسمعك!

رجل الأعمال يرى العالم على ظاهره، ومن الواضح أن له مصلحة في ذلك. هو يرى أنه يوفر فرصة عمل للعامل، ويدفع له أجراً يبيح له أن يعطيه الأوامر ويطلب منه العمل أسرع. رجل الأعمال هذا لا يختلف كثيراً عن الرئيس مبارك. فعلى مدى قرابة 30 عاماً، ربما كانت المقولة الأكثر تردداً على شفتي الرئيس هي اتهامه لنا بأننا عالة عليه، ننجب أكثر مما ينبغي ونجعله يتكبد المشاق لكي يوفر لنا قوت يومنا. الحقيقة هي العكس تماماً. الحقيقة هي أن الرئيس وأسرته وطبقته هم الذين يعيشون عالة علينا، وأن الثروات الفلكية التي ينعمون بها وثيقة الصلة بما حاق بالأغلبية الكادحة من المصريين من إفقار مطلق ونسبي على مدى العقود الثلاثة الأخيرة.

ما هي المشكلة هنا؟ المشكلة أن “وجهة نظر” رجل الأعمال والرئيس لا تقتصر عليهما وعلى أمثالهما، وإنما تمتد لتشمل أغلب الناس. قد لا يوافق أغلب الناس في مصر على أن مبارك ورجال الأعمال الذين يستند إليهم حكمه تحديداً يعيلونهم ويفتحون لهم أبواب الرزق. ولكن الأرجح أن أغلبهم يرون أنه من طبائع الأمور أن ينقسم المجتمع إلى قلة من الأثرياء وغالبية من الفقراء. حينما يقبل أغلب الناس هذه الفكرة، فإنهم لا يقبلونها سعداء، وإنما يقبلونها على مضض، ولكن المهم أنهم يقبلونها. ومن لا يقبلها منهم، يغلب عليه الاعتقاد بإمكان تحقيق قدر أكبر من العدالة في توزيع الثروة أو حتى السلطة، ولكن القليلين منهم فقط يرون أن بالإمكان تغيير العالم تغييراً جذرياً، بحيث تمتلك الغالبية الكادحة الثروة وتسيطر على السلطة وتوجههما لصالح تلبية احتياجاتها وخلق عالم جديد مختلف يقوم على المساواة والتضامن والحرية والإبداع.

من حسن الحظ أن هذه ليست القصة كلها وإنما جانب منها فحسب. فبقية القصة هي أن ما يعانيه الناس في المجتمع الطبقي من استغلال وبؤس وقهر يدفعهم دفعاً للنضال، وأن نضالهم هذا يحمل إمكانية تغيير أفكارهم وتجذيرها. وأنا لن استطرد في هذا لأن غرضي هنا ليس مناقشة إمكانية الثورة، وإنما مناقشة مسألة أخرى وثيقة الصلة بحديث النظرية والتجريد، ألا وهي مسألة بساطة العالم أو تعقيده. إن الذين يقبلون العالم على ظاهره يرونه بسيطاً يسيراً على الفهم. قد يقبلونه محبورين سعداء، وقد يقبلونه مضطرين مسلِّمين أمرهم لله، لكنهم على أي حال يرونه واضحاً بسيطاً. أما أولئك الذين يريدون تغيير العالم تغييراً جذرياً، بل يرون أن ثمة إمكانية حقيقية بل ضرورة (ولا أقول حتمية) لهذا التغيير، فحري بهم، إن كانوا متسقين مع أنفسهم، أن ينظروا للعالم بشكل مختلف، أي أن يقروا بأن جوهر الأمور أعمق مما يبدو على السطح، وأن الواقع مركب ومعقد.

وتترتب على هذا الإقرار نتيجة مهمة بشأن طبيعة “النظرية”. فتحديداً لأن عالمنا مركب ومعقد، وتحديداً لأنه يشمل ظواهر وعلاقات وأحداثاً كثيرة، فإننا لا نكون قادرين على فهمه إلا بالتركيز على بعض جوانبه وإهمال جوانب أخرى، ولو مؤقتاً. بعبارة أخرى، دور النظرية ليس هو تعقيد الواقع البسيط، وإنما على العكس تبسيط الواقع المعقد. ما الذي نفعله حينما نُنظر؟ نركِّز على بعض جوانب الواقع دون غيرها ونتناولها بالفحص. ونعمِّم من عناصر الحياة الطبيعية أو الاجتماعية التي نعرفها، ونحاول أن نفسر ونشرح ما لا نعرفه على ضوء تلك التعميمات. نقيم على هذا الأساس فرضيات علمية يتعين اختبار مدى صحتها. ونستند إلى تلك الفرضيات في تكوين توقعات لسير الظواهر أو الأحداث مستقبلاً. ثم نفحص مدى تحقق توقعاتنا، وعلى هذا الأساس نبرهن على فرضياتنا فتتحول إلى قوانين علمية أو نتخلى عنها إذ يثبت خطؤها ونحاول تصحيحها عن طريق فرضيات أخرى، وهلم جراً. رجاء أن تلاحظ، عزيزي القارئ، أن الكلام هنا ينطبق على النظرية بوجه عام، ماركسية وغير ماركسية، في ميدان دراسة الطبيعة أو فهم المجتمع. ولكن مادمنا في معرض الحديث عن فهم المجتمع لا الطبيعة، ومادامت النظرية التي تهمنا في المقام الأول هنا هي الماركسية، فلنمعن النظر قليلاً في الماركسية كنظرية، أو كمجموعة من النظريات، وفي المنهج الذي قامت عليه هذه النظرية أو النظريات.

السمكة والصنارة

الماركسية، حتى إذا اقتصرنا على فكر كارل ماركس وحده، بحر هائل من المعرفة في مجالات عديدة. بيد أن ما يوحد هذا العمل الفكري الجبار ويجمع أشتاته هو الدراسة النقدية للمجتمع الرأسمالي الذي عاش ماركس في مرحلة حاسمة من تطوره: من أين وكيف جاء هذا المجتمع؟ كيف يعمل؟ بأي منطق؟ لصالح من وضد من؟ ما هي مسارات تطوره المحتملة؟ تلك هي الأسئلة الجوهرية التي يطرحها ماركس ويحاول الإجابة عنها. بل إن رؤية ماركس للاشتراكية ليست سوى نتاج مباشر لدراسته النقدية للرأسمالية، فالاشتراكية بالنسبة له هي الإمكانية غير المتحققة، الكامنة في الرأسمالية ذاتها، لمجتمع عادل وحر يحقق فيه الإنسان، فردياً وجماعياً، كامل ملكاته الإنسانية. هذه الإمكانية التي تتحقق نتيجة للثورة هي نقيض للرأسمالية، ولكنها في الوقت نفسهنتاج للرأسمالية ولما حققته من طفرة هائلة في حياتنا من حيث الثروة المادية وأشكال التنظيم المتقدمة.

من نافل القول أن ماركس لم يحقق هذا الإنجاز الفكري الضخم بوصفه باحثاً محايداً ينشد الحقيقة، وإنما من موقع المناضل الثوري المنتمي إلى معسكر القوة الاجتماعية التي ألهمه نضالها وأدرك منذ وقت مبكر من حياته ما تنطوي عليه من إمكانية ثورية، أي البروليتاريا الحديثة. إن الماركسية على حد قول صديقي تامر وجيه في مقال غير منشور بعنوان “أفكار حول التثقيف” هي النظرية التي “تبلور دروس الممارسة النضالية ولا يمكن إثبات صحتها إلا بالممارسة النضالية”. ولكن كيف تحدث هذه البلورة؟

سؤالي هنا ليس عن “السمك” الماركسي (الفهم المادي للتاريخ، قانون القيمة، نظرية الاغتراب، طبيعة ومسارات الصراع الطبقي، تحليل الأيديولوجيا، نظرية الإمبريالية، دراسة الدولة، وهلم جراً)، وإنما عن “الصنارة” التي تم صيده بها، أي منهج ماركس الجدلي أو الجدلية (الديالكتيك). لن أدخل في هذا المقال في صلب هذا المنهج إلا بالقدر اللازم لبيان أهميته وشرح الدور الذي تلعبه داخله عملية التجريد (الطُعم الذي يجتذب السمك أو النظريات إلى الصنارة)، ولكن دعني أولاً أذكر ملاحظتين تمهيديتين عن السياق الأعم لهذا المنهج.

أولاً، على الرغم من الأهمية الكبرى للجدلية في عمل ماركس، إلا أن كتاباته الصريحة عنها كانت شحيحة ومتناثرة وغير مكتملة. ومن المعروف أن ماركس كتب لرفيق حياته ونضاله إنجلز رسالة في عام 1858 يقول له فيها إنه يود، لو أتيح له الوقت، أن يشرح “للذكاء الإنساني العادي”، النواة العقلانية في المنهج الذي اكتشفه هيجل، لكنه في الوقت نفسه (أي هيجل) أحاطه بغلالة من الصوفية. ومن المؤسف أن حياة ماركس كمناضل ثوري وكصحفي، وانهماكه في إتمام دراسته للاقتصاد السياسي، فضلاً عن مشكلاته الصحية ومتاعب حياته اليومية، لم تسمح له بإنجاز مثل هذا العمل المنهجي. وهكذا صار على “الذكاء الإنساني العادي” أن يعتمد على نفسه وحده في فك شفرة المنهج الجدلي الذي يتخلل ثنايا كتابات ماركس. غير أن الدراسات الجادة لمؤلف ماركس الكبير، رأس المال، بينت أنه “إذا كان ماركس لم يترك كتاباً بعنوان المنطق (بألف لام التعريف)، فإنه ترك منطق رأس المال” على حد تعبير لينين، أي أن كتاب رأس المال (ضمن كتب ومخطوطات أخرى لماركس) يحمل في ثناياه المنهج الجدلي موضوعاً موضع التطبيق.

ثانياً، على مدار تاريخ الماركسية منذ وفاة ماركس، ارتبطت مكانة الجدلية بمسار الثورة صعوداً وهبوطاً. فالهدوء النسبي في الصراع الطبقي في العقد الأخير من القرن التاسع عشر كان هو السياق الذي ظهر فيه أول شقاق مهم في الماركسية مع تبلور “تنقيحية” إدوارد برنشتاين (تستخدم أغلب الأدبيات الماركسية العربية لفظة “التحريفية” كترجمة لـrevisionism، وهي ترجمة غير موفقة أولاً لأنها مشبعة بإيحاءات دينية، وثانياً لأن برنشتاين لم يزعم أنه استمرار لماركس وإنما قال صراحة إنه يرفض الماركسية بما لا يدع مجالاً لاتهامه بـ”تحريف” فكر ماركس). وما يهمنا هنا هو أن برنشتاين الإصلاحي أدرك بوضوح الصلة الوثيقة بين ثورية ماركس وجدليته، ومن ثم فقد دأب على السجال ضد الجدلية واصفاً إياها بأنها “العنصر الغادر في العقيدة الماركسية” و”اللعبة الخطرة التي تقود إلى المغامرات الثورية وتبررها” وهلم جراً. في ذلك الوقت، تصدى الماركسيان “الأرثوذكسيان” كاوتسكي وبليخانوف لبرنشتاين لفظياً، لكن التاريخ كان سرعان ما سيبين أن ماركسيتهما ليست أقل إصلاحية منه. وعلى أي حال، فمن الناحية المنهجية، كان كاوتسكي وبليخانوف يتبنيان مادية ميكانيكية أقرب إلى فكر التنوير الفرنسي في القرن الثامن عشر منها إلى فكر ماركس. هكذا فإن سنوات السلام الطبقي النسبي هذه شهدت ضموراً شبه كامل للجدلية، التي لم تبق سوى في ثنايا الكتابات السياسية لليسار الثوري للأممية الثانية ممثلاً بالأساس في روزا لكسمبورج وتروتسكي ولينين. ومع قيام ثورة أكتوبر 1917 في روسيا، وهبوب عاصفة ثورية عاتية على مجمل أوروبا بل وعلى أجزاء مهمة من العالم حتى أوائل العشرينات، انتعشت الجدلية كتيار فلسفي ثوري تجلى في كتابات لوكاش وكورش وجرامشي، وهي كتابات كانت وثيقة الصلة بالعملية الثورية الجارية. ومع استقرار الرأسمالية العالمية مجدداً وصعود الستالينية في الاتحاد السوفيتي، راحت الجدلية الماركسية تتهمش مرة أخرى وتُمسخ مسخاً بالغاً، بحيث لم تبق سوى محصورة بين دوائر ثقافية ضيقة مثل مدرسة فرانكفورت. ومرة أخرى، مع أزمة الستالينية في أواسط سنوات الخمسينات (ثورة المجر وخطاب خروتشوف الذي أدان ستالين وعهده) وصعود الحركات الاجتماعية الجديدة واليسار الجديد، حدث صعود جديد في العناية بالجدلية، ولا سيما في كتابات مفكرين ماركسيين فرنسيين مثل هنري لوفيفر ولوسيان جولدمان وبعض كتابات سارتر (في صراع بالطبع مع تيارات أخرى، مثل البنيوية والماركسية التحليلية، حاولت أن تقضي على “الانحرافات الهيجلية” وغيرها من ألوان “اليسارية النظرية”).

حينما نضع هاتين الملاحظتين في أذهاننا، أي أن الجدلية وثيقة الصلة بالطبيعة الثورية للماركسية وأن ماركس مع ذلك لم يشرح معالمها بشكل صريح في أي من كتاباته، فإننا نستطيع أن نفهم كم الحبر الذي سال في محاولة بلورة هذا المنهج من جانب مفكرين ماركسيين ثوريين، وكذلك حجم الحبر الذي سال في محاولة مسخه وتشويهه من قِبل أعداء الماركسية. اطمئن يا عزيزي، فلا مجال هنا للتوغل في هذا الجدل حول الجدلية! لن نتناول هنا جدلية هيجل ومدى تأثر ماركس بها وقلبه لها لكي تقف على قدميها بعد أن كانت واقفة على رأسها، وإن كانت هذه جميعاً قضايا بالغة الأهمية ينبغي دراستها في معرض الفهم العميق للمادية الجدلية. لكن بما أنني أود التأكيد على أهمية المنهج لدى ماركس وأهمية أن نعطي هذا المنهج المكانة التي يستحقها في نشاطنا التثقيفي، فلا بأس من محاولة تناول السمة الجوهرية لهذا المنهج.

يتمثَّل جوهر الجدلية كمنهج لا في عدد من المقولات أو القوانين الجدلية، وإنما في طريقة معينة في النظر للعالم كانت وراء الثراء والعمق الشديدين في نظريات ماركس. ويقول الفيلسوف الماركسي برتل أولمان، وهو على الأرجح أهم ماركسي معاصر انصب اهتمامه على الجدلية كنمط للتفكير، إن “موضوع الجدلية هو التغيير، كل تغيير، والتفاعل، بجميع أشكاله ودرجاته”. أي أن تركيز ماركس ينصب على التغيير والتفاعل بوصفهما جزأين أساسيين من أي مؤسسات أو عمليات تخضع للتغيير والتفاعل. تركيز ماركس على التفاعل يعنى أنه لا يغفل أبداً عن السياق الأوسع، أي النظام الرأسمالي، حينما يدرس أي حدث يجري داخله، سواء تعلق الأمر بحرب أو انتخابات أو أزمة اقتصادية أو غير ذلك؛ أما التركيز على التغيير، فيعني أن ماضي الظاهرة ومساراتها المحتملة في المستقبل، أو بعبارة أخرى السياق التاريخي يظل دائماً في بؤرة الاهتمام حينما يتناول ماركس الشكل الذي تبدو عليه الظاهرة أو الشيء في الحاضر.

لا يعني ذلك أن المفكرين غير الجدليين لا يعترفون بالتغيير وبالتفاعل. لكن السؤال هو كيف يُمسك الفكر بالتغيير والتفاعل دون أن يشوههما؟ يوضح أولمان أننا عادة ما نفكر في التغيير والتفاعل بوصفهما أمرين يطرءان على الأشياء دون إخلال بجوهر تلك الأشياء. أما الجدلية، فإنها تعيد هيكلة تفكيرنا عن الواقع عن طريق استبدال فكرتنا عنالشيء التي ترى أن الشيء له تاريخ وله علاقات خارجية تربطه بغيره من الأشياء، بفكرة العملية التي تتضمن تاريخها الخاص ومستقبلاتها المحتملة كجزء من ذاتها، والعلاقة، التي تشمل كجزء لا يتجزأ منها صلاتها بعلاقات أخرى. بعبارة أخرى، التاريخ ليس شيئاً يطرأ على الأحداث، بل هو جوهر الأحداث، كما أن التفاعل ليس شيئاً يطرأ على الظواهر لكنه أيضاً جوهر الظواهر.

أكاد يا عزيزي أسمع لعناتك تنهال على شخصي الضعيف بسبب صعوبة هذه الفقرة الأخيرة بالذات، ولكني مع ذلك أرجوك أولاً التحلي بالأدب وليبق الحوار بيننا حضارياً مهذباً، ولا داعي بالذات لذكر الوالدين، فأنا ربما أغويتك لكني لم أضربك على يدك ولم أغلط فيك. وقبل أن تصب عليّ جام غضبك، دعني ثانياً أعرض عليك في الفقرة التالية مباشرة مثالاً ملموساً يوضح فكرة استبدال نظرتنا للظواهر كأشياء بالنظر إليها كعمليات وعلاقات. أما الآن، فأرجوك فقط أن تعيد قراءة الفقرة السابقة بتمهل لأنها في تقديري مهمة، ثم أن تثابر معي على قراءة بقية المقال رغم ما بدأت تشعر به من تبرم. ولكي تقنع نفسك بالاستمرار، تستطيع أن تقول لها (أي لنفسك الأمارة بالسوء والتي تريد أن تكف عن القراءة) أنك أضعت بالفعل بعض الوقت والجهد في قراءة ما مضى من المقال، فلا بأس أن تتمه على أمل أن تجد فيه شيئاً مفيداً بدلاً من أن يكون وقتك وجهدك قد ضاعا سُدىً. ولاحظ معي يا عزيزي أنك بدأت تقع بالفعل رويداً رويداً في فخ التجريد التي نصبته لك من البداية رغم أنني حتى لم أشرح بعد ما أقصده بالتجريد، فهنيئاً لي!

لنعد الآن إلى موضوعنا ولأنفذ وعدي بأن أوضح بمثال ملموس ما أقصده بالنظر إلى الظواهر لا كأشياء منفصل بعضها عن بعض وإنما كعلاقات متشابكة وعمليات متواصلة. انظر إلى رأس المال ومفهوم ماركس عنه. افتح أي كتاب مدرسي تقليدي في الاقتصاد، وستجد أن رأس المال يُعرَّف بأنه وسائل الإنتاج المادية، أو المال اللازم لشراء تلك الوسائل. أما لدى ماركس، فالأمر مختلف. لا ينظر ماركس إلى رأس المال بوصفه شيئاً، وإنما يراه عملية وعلاقة.

لأن ماركس ينظر إلى رأس المال كعملية، فإنه يُدرج ضمن مفهوم رأس المال التراكم البدائي (أي ماضي رأس المال بالمفهوم الأضيق للكلمة) والتراكم (حاضر رأس المال وجوهره في زمن ماركس وبعده) وتركيز وتمركز رأس المال (أي ميل وحدات رأس المال لأن تقل عدداً وتزداد حجماً مع مرور الوقت بتأثير المنافسة، وهي العملية التي لم تتجلَ بشكل كيفي إلا في العقود اللاحقة لوفاة ماركس). أي أن ماركس يتناول مجمل تاريخ التاريخ الواقعي لرأس المال (بما في ذلك مستقبله) كجزء لا يتجزأ من طبيعة رأس المال، أو بلغة الفلاسفة من ماهيته. ومن جهة أخرى، لأن ماركس ينظر إلى رأس المال كعلاقة، فإن فهمه لرأس المال يتضمن الصلات الفعلية التي تربط وسائل الإنتاج المادية بكل من العمل والسلع والقيمة والرأسماليين والعمال.

سوف أعود في القسم التالي من هذا المقال إلى الاختلاف في النظرة إلى رأس المال بين ماركس والاقتصاديين التقليديين في معرض شرحي لما أقصده بالتجريد. لكن دعنا نتأمل سريعاً إحدى النتائج المترتبة على النظرة المنهجية التي تستبدل تصورنا التقليدي عن الأشياء بتصور آخر أغنى عن العلاقات المتفاعلة والعمليات الدينامية. إن هذه النظرة المنهجية التي تضع الظواهر دائماً ضمن سياقيها الاجتماعي والتاريخي تضفي على فكر ماركس عمقاً وقدرة هائلة على الاستشراف. أنظر مثلاً إلى وصف ماركس وإنجلز للرأسمالية في البيان الشيوعي: “حاجة البرجوازية إلى تصريف دائم لمنتجاتها، متسع باستمرار، تسوقها إلى كل أرجاء الكرة الأرضية. فلا بد لها من أن تُعشعش في كل مكان، ومن أن تنغرز في كل مكان، ومن أن تقيم علاقات في كل مكان. والبرجوازية، باستثمارها السوق العالمية، طبَّعت الإنتاج والاستهلاك، في جميع البلدان، بطابع كوسموبوليتي، وانتزعت من تحت أقدام الصناعة أرضيتها القومية وسط غم الرجعيين الشديد”. لا حاجة بي لأن أذكرك بأنه حينما كُتِب هذا الكلام قبل أكثر من 160 عاماً لم يكن نطاق الرأسمالية الصناعية يتجاوز بريطانيا وبقعاً متفرقة في تخوم أوروبا الغربية والساحل الشرقي لأمريكا الشمالية. لم يكن البيان الشيوعي في العبارة التي اقتبستها يصف رأسمالية زمنه كما هي، وإنما كما يتوقع لها أن تكون في المستقبل على أساس فهمه لديناميتها. وتكاد هذه الفقرة، وغيرها كثير في البيان الشيوعي، تصف عصر العولمة الذي نعيشه اليوم وصفاً دقيقاً، وهو ما يلاحظه الكثير من المعلقين على هذا الكتيِّب باندهاش. لم يتأتَ ذلك لماركس (البيان الشيوعي كتبه ماركس وإنجلز، لكن إسهام ماركس فيه كان هو الأكبر) لأنه كان نبياً يرى الغيب، وإنما لأن منهجه الذي يجعله يرى رأس المال كعملية متطورة يتيح له أن يستشرف مسار تطوره المرجح وأن يعتبر مستقبله جزءاً لا يتجزأ من حاضره بوصفه كامناً فيه.

بإيجاز إذن، يتمثل جوهر منهج ماركس في إيلاء مكانة مركزية للتفاعل والتغيير عند نظره لأي ظاهرة يفحصها، ثم إن ماركس يُدرج هذا التفاعل وذاك التغيير في صميم المفاهيم الأساسية التي يستخدمها في تحليل الواقع، وبالتالي تتحول عنده الأشياء الثابتة والمنفصلة إلى علاقات متشابكة وعمليات متطورة. واستناداً إلى هذه الرؤية العامة جداً للجدلية، يكوِّن ماركس منظوراً يمكن اختصاره بشكل لا ينطوي على تشويه كبير من خلال أربع كلمات نقف أمام كل منها وقفة خاطفة بغية إضفاء طابع ملموس أكثر على حديثنا هذا عن المنهج الجدلي: الجملة، التغيير، التناقض، الممارسة.

المقصود بـ”الجملة” (وهي ترجمة مراد وهبة لمصطلح totality) هو أن الظواهر الاجتماعية المختلفة متداخلة، وبالتالي فإنه لا يمكن التحليل الوافي لأي مجال للحياة الاجتماعية بمعزل عن غيره. ويرى ماركس مثلاً أن الطريقة التي يتم بها تنظيم النشاط الاقتصادي في المجتمع (قوى وعلاقات الإنتاج) تشكِّل معالم ما يضمه هذا المجتمع من مؤسسات سياسية وأنماط تفكير سائدة وعلاقات عائلية، إلى آخره. ومن ثم، فإن المجتمع (ولا سيما الرأسمالي) يشكِّل نظاماً أو نسقاً يتكون من عناصر تؤثر في بعضها بعضاً، كما أن بعض تلك العناصر يحظى بتأثير أكبر من غيره. لكن فكرة النسق أو النظام هذه عادة ما ترتبط في الأذهان (وفي المدارس السائدة في الفكر الاجتماعي) بالثبات والانسجام المستعصي على التغيير. بيد أن ماركس يؤكد أن أي نموذج سكوني (static) للنظام الاجتماعي يمثل تشويهاً خطراً. فالنظم الاجتماعية (والرأسمالية بالذات) ديناميكية بشكل جوهري: ما يوجد عند نقطة معينة هو نتاج لعمليات وعلاقات سابقة ويتضمن بدوره إمكانية تحولات لاحقة. وإذا كان المجتمع ككل يمثل نظاماً يخضع دائماً للتغيير، فذلك لأن هذا النظام ينطوي على تناقضات بنيوية. فالعمليات والعلاقات الأساسية التي يتكون منها النظام الاجتماعي تدفع في اتجاهات متعارضة. وهنا تأتي دلالة المفهوم الأهم في المنظور الماركسي، الممارسة. يكتب ماركس في كتابه الرائعالثامن عشر من برومير للويس بونابرت: “الناس يصنعون تاريخهم، ولكنهم لا يصنعونه كما يحلو لهم، لا يصنعونه ضمن شروط اختاروها بأنفسهم، بل ضمن شروط مسبقة جاءتهم من الماضي”. لقد شدَّد ماركس دوماً على أن السمات المادية للحياة الاجتماعية، وبالأخص بنية العلاقات الاقتصادية، تحد من الإمكانيات المتاحة لتنظيم وإعادة تنظيم الوجود الإنساني. ولذا فإنه يقدم نقداً لاذعاً لمن يسميهم “الطوباويين” الذين يصممون خططاً مفصلة لمجتمع مثالي دون النظر في إمكانية بنائه انطلاقاً من الظروف القائمة. غير أن ماركس لم يقل أبداً أن التكنولوجيا المادية والنظام الاجتماعي يحددان بشكل ميكانيكي مجمل الحياة الاجتماعية، أو أن البشر مجرد ألعوبة عاجزة بين أيدي قوى غير إنسانية. فعلى العكس من ذلك، الناس يصنعون تاريخهم. ويوجد دائماً مجال للاختيار فيما يتعلق ببنية العلاقات الاجتماعية، حتى لو كان هذا الاختيار يتم ضمن حدود معينة. وجدير بالذكر هنا أن ماركس يرى أن نطاق الخيارات المتاحة يميل للاتساع كثيراً في ظل ما توجده الرأسمالية من تطورات مادية واجتماعية.

وما دمنا قد ذكرنا الممارسة كمفهوم جوهري ضمن منهج ماركس الجدلي، فلنلتفت سريعاً إلى الصلة بين هذا المنهج ونوع الممارسة الاجتماعية والسياسية التي ألهمت ماركس وأفنى فيها عمره. لقد أصبح ماركس “ماركسياً” في أواسط الأربعينات من القرن التاسع عشر حينما “اكتشف” الطبقة العاملة الحديثة. وجد إلهامه في انتفاضة عمال الحرير في ليون، وفي معركة عمال النسيج في سيليزيا، وفي المظاهرات والإضرابات الهائلة للحركة الشارتية في بريطانيا، أولى الحركات العمالية الجماهيرية المنظمة في العصر الحديث. لم ير ماركس في الطبقة العاملة بؤس المجتمع الطبقي القائم على الاستغلال والقهر فحسب، بل رأى فيها بالذات قوتها، رأى فيها إمكانية القضاء على المجتمع الطبقي وبدء التاريخ الحقيقي للبشرية. إن الطبقة التي قال عنها ماركس حينما أعلن ولاءه لها أنها “حينما تعلن القضاء على النظام العالمي القائم، فإنها تعلن فقط عن سر وجودها، الذي هو في الواقع القضاء على هذا النظام”، أقول إن هذه الطبقة القادرة على تغيير العالم تغييراً شاملاً لا يلائم مشروعها الثوري سوى منهج في التفكير يرى المجتمع ككل عضوي متكامل ينطوي على تناقضات تضفي عليه ديناميته وإمكانية تحويله ثورياً.

الصنارة والطُعم

أسمعك تقول “حسناً، لقد عرضت عليّ باختصار المنهج الجدلي عند ماركس، وأنا أوافق معك على أهميته. ولكن ما علاقة هذا بكلامك الاستفزازي السابق عن التجريد؟ ثم ما هي علاقة ذلك كله بموضوع التثقيف الذي يؤسفني أنك خدعتني بأن أوهمتني أنك ستحدثني عنه، ثم إذا بك تشطح بي في اتجاه آخر تماماً؟”

رغم نبرة اللوم في كلامك، فأنت الآن يا عزيزي أكثر هدوءاً منك قبل قليل، وهذا في حد ذاته جيد. لم أعد أسمع لعناتك وصياحك في وجهي، وهذا يدل على أنك لم تعد في عدائك للنظرية المجردة بنفس الحدة التي كنتَ عليها في مستهل قراءتك لهذا المقال. هذا بالنسبة لي نصر جزئي، والآن لأجهز عليك تماماً بأن أوضح لك الصلة بين المنهج الجدلي وبين التجريد وأقنعك بالتالي بتغيير موقفك السلبي من التجريد. ولا تقلق، فسوف أبين في ختام مقالي هذا الصلة بين ما جاء فيه وبين موضوع التثقيف وأسلوبنا في التعامل معه.

تأمل يا عزيزي مرة أخرى الجملة الطويلة والمعقدة نوعاً ما التي سبق أن لعنتني حين قرأتها أعلاه والقائلة بأن الجدلية “تعيد هيكلة تفكيرنا عن الواقع عن طريق استبدال فكرتنا عن الشيء التي ترى أن الشيء له تاريخ وله علاقات خارجية تربطه بغيره من الأشياء، بفكرة العملية التي تتضمن تاريخها الخاص ومستقبلاتها المحتملة كجزء من ذاتها، والعلاقة، التي تشمل كجزء لا يتجزأ منها صلاتها بعلاقات أخرى”. أول ما نلاحظه هنا هو أن هذه النظرة الجدلية للواقع لا تضيف شيئاً لم يكن موجوداً من قبل. فالاختلاف يتعلق فقط بطريقة رسمنا للحدود. إن عملية رسم الحدود هذه هي بالضبط ما أقصده بالتجريد[2]، ولكن لكي تصبح الفكرة واضحة، دعنا نعود مرة أخرى إلى مثال رأس المال.

يتفق الاقتصادي البرجوازي وماركس على وجود وسائل الإنتاج المادية، وكذلك على وجود العمل والسلع والقيمة والرأسماليين والعمال. ولكن رؤيتهما لما هو موجود تختلف. يقول ماركس: “لا يفهم الاقتصاديون رأس المال كعلاقة. ولا يستطيعون عمل ذلك دون أن يفهموه في الوقت نفس كشكل إنتاجي مؤقت تاريخياً، أي نسبي وليس مطلقاً”. حينما ينظر الاقتصادي البرجوازي إلى رأس المال كشيء وليس كعلاقة، ويُعرِّف هذا الشيء بأنه وسائل الإنتاج المادية، فإنه يقع في خطأ التعامل مع رأس المال كأنه متغير لا تاريخي، كأنه شيء وُجِد على الدوام في الماضي وسيظل موجوداً في المستقبل. أما ماركس، فرأس المال بالنسبة له ليس شيئاً وإنما علاقة (وعملية): علاقة معقدة تتمثل نواتها في الصلات الداخلية بين وسائل الإنتاج المادية وملاكها، والعمال الذين يشغِّلونها، والمنتج المعين الناتج عن هذه العملية، وقيمة هذا المنتج، والظروف التي يجري العمل في ظلها. رأس المال وفق هذه الرؤية حدث تاريخي، واقع ناتج عن ظروف تاريخية محددة.

لا ينكر الاقتصادي البرجوازي بالطبع الصلات بين وسائل الإنتاج المادية والعمل والسلع والقيمة والرأسماليين والعمال، لكنه ينظر إلى هذه الصلات كعلاقات خارجية بين أشياء منفصلة. ووفقاً لهذه الرؤية، فإن كل العناصر المرتبطة برأس المال يمكن أن تتغير دون أن يتغير رأس المال نفسه. يمكن للعمال مثلاً بدلاً من بيع قوة عملهم أن يصبحوا عبيداً أو أقناناً، أو أن يمتلكوا وسائل الإنتاج ويسيطروا عليها، وفي كل هذه الحالات تظل أدوات عملهم تتمثل في رأس المال. أما بالنسبة لماركس، فإن تغييراً كهذا سيعني تحولاً في طبيعة رأس المال نفسه. فالصلات بين عناصر رأس المال هي في نظره صلات جوهرية؛ إننا بصدد علاقات داخلية[3]. ومن ثم، فحينما تتغير العلاقة المحدَّدة بين رأس المال والعمال، فإن وسائل الإنتاج المادية تصبح شيئاً آخر مختلفاً كيفياً يكون من الملائم أكثر أن نفهمه باستخدام مفهوم آخر غير “رأس المال”.

مفهوم رأس المال عند ماركس أوسع منه كثيراً إذن عند صديقنا الاقتصادي البرجوازي من حيث نطاقه العضوي، أو امتداده المكاني إذا شئت. فرأس المال ليس فقط الآلات، وإنما مجموع التفاعلات بين الآلات وملاكها والعمال والسلعة والقيمة، إلى آخره. أما من حيث الامتداد الزمني، فإن مفهوم رأس المال عند ماركس أضيق منه عند الاقتصادي البرجوازي. فبينما ينظر الأخير إلى رأس المال خارج التاريخ، بوصفه “شيئاً” طبيعياً موجوداً في كل عصر وأوان، يعيد ماركس رأس المال إلى التاريخ، ويفهمه ضمن نطاق زمني محدد هو تاريخ الرأسمالية كنظام. ليس غرضي هنا هو شرح نظرية ماركس الاقتصادية، لكنني أتناول فقط المفهوم الماركسي لرأس المال كمثال لعملية رسم الحدود بين الظواهر، والتي هي جوهر العملية الذهنية المسماة “التجريد”.

إن الصفات التي ندركها عن طريق الحواس الخمس موجودة بالفعل في الطبيعة، أما المفاهيم التي نكوِّنها (وما نقوم به استناداً إليها من تمييز يقول لنا أين ينتهي شيء وأين يبدأ شيء آخر في المكان والزمان)، فهي عبارة عن أبنية اجتماعية وذهنية. ومهما كان تأثير العالم الواقعي على رسمنا للحدود التي نرسمها، فنحن الذين نرسمها في التحليل الأخير، ويمكن لأشخاص ينتمون إلى ثقافات أو رؤى فلسفية أو مواقف اجتماعية وسياسية مختلفة أن يرسموا الحدود بأشكال مختلفة. و”التجريد” المجني عليه والذي تلوكه الألسن كسُبة ليس سوى عملية رسم الحدود هذه بين الأشياء. إنها عملية ذهنية لعله من التبسيط غير المخل أن نشبهها بما يحدث أثناء الأكل. تخيَّل نفسك جائعاً وأمامك قطعة لحم كبيرة شهية. مهما بلغ بك الجوع، ومهما بلغت بك “الطفاسة”، فأظنك متفقاً معي أن معدتك غير قادرة على التهام قطعة اللحم الكبيرة مرة واحدة، حتى في حالة الصائمين من القراء في مستهل هذا الشهر الكريم! عليك أولاً تقطيع قطعة اللحم إلى قطع صغيرة تستطيع مضغها وهضمها. والحاصل أن ذهننا ليس أقدر من معدتنا على ابتلاع العالم كله في قضمة واحدة. حينما يحاول كلٌ منا أن يفهم ما يحيط به، فإنه يبدأ بتمييز بعض الصفات والتركيز عليها وتنظيمها في ذهنه بالطريقة التي تبدو له ملائمة. إن الأصل اللاتيني للكلمة التي نترجمها بـ”التجريد” هو “abstrahere” وهي تعني حرفياً “انتزاع من”. هذا هو أيضاً بالضبط المعنى الاشتقاقي للتجريد في اللغة العربية، فنحن نقول “جَرَد السيف من غمده” بمعنى خرج، أو “جَرِدت الأرض” بمعنى خلت من النبات، وهكذا. ويقول قاموس المنجد إن التجريد هو “التنقية من الشوائب” أو “طرح الزوائد وعزل الأصول” أو (وهذا هو المعنى الأقرب لمجالنا) “عزل صفة أو علاقة عزلاً ذهنياً، وقصر الاعتبار عليها”.

أنت وأنا إذن حينما نفكر، نقوم حتماً بعملية تجريد. وبالتالي، فلنتوقف عن إلصاق تهمة “التجريد” بما نود انتقاده من الأفكار. ولنتذكر أننا يا عزيزي كلنا تجريديون! بل إنني سأذهب لأبعد من ذلك. نحن لا نجرِّد فقط حينما نفكر، ولكن حتى عندما نقتصر على استعمال حواسنا الخمس. سأطلب منك للحظة أن ترفع عينك عن شاشة الحاسوب أمامك أو عن الورق إذا كنتَ قد طبعت مقالي المتواضع هذا. ماذا ترى؟ الأرجح أنك في غرفة ما تضم أمتعة مختلفة وتحيطها جدران ربما عُلِّقت عليها لوحات أو ما شابه. ولكن ماذا ترى؟ هل تزعم أنك ترى “كل شيء” في الغرفة؟ لو كان الأمر كذلك لكنتَ شخصاً خارق القدرات. إننا لا “نرى” سوى جزءاً مما يمتد أمامنا (أي مما يوجد في “حقلنا البصري”)، ولا “نسمع” سوى جانباً من الأصوات الآتية من محيطنا، وهكذا بالنسبة لسائر الحواس. بوعي أو بغير وعي، ينطوي الإدراك، حسياً كان أو عقلياً، على عملية انتقاء تجعل تركيزنا ينصب على جانب فقط مما يمكن أن نراه أو نسمعه أو نلمسه أو نشمه أو نذوقه أو نفكر فيه.

أكاد يا صديقي ـ اسمح لي أن أخاطبك الآن بكلمة صديقي وليس عزيزي، فالعلاقة بيننا حتى هذه اللحظة امتدت إلى نحو 5200 كلمة من العشرة والعذاب ـ أقول إنني أكاد أسمع قهقهتك المجلجلة الممزوجة بالمرارة، وأسمعك تقول لي: “تمخض الجبل فولد فأراً! أخذت تلف وتدور بي في متاهات واعداً إياي بأنك ستشرح أن التجريد جزءٌ لا يتجزأ من المنهج الجدلي عند ماركس، فإذا بك في النهاية تقول إنه شيء لا إرادي يحدث لنا جميعاً ليس فقط حينما نفكر ولكن حتى حينما ننظر أمامنا ببلاهة!”

حسناً، سأترفع عن الصغائر ولن أرد على سخريتك مني، لكني سأرد على مضمون ما تقول. هل تذكر رجل الأعمال وصديقه الظريف اللذين رويت لك حوارهما في أوائل هذا المقال؟ رجل الأعمال هذا لديه نظرية، وهذه النظرية تنطوي على تجريد. إنه ينظر إلى رأس المال مثل صديقنا الاقتصادي البرجوازي بوصفه وسائل الإنتاج المادية. رأس المال عنده إذن شيء، وهو موجود الآن وكان موجوداً أمس وسيظل موجوداً غداً؛ إنه خارج التاريخ، لأنه من منظوره ظاهرة طبيعية، كما أن ملكية أقلية في المجتمع له أمرٌ طبيعي. ربما كان رجل الأعمال غير واعٍ بنظريته، وعلى أي حال فسواء كان واعياً بها أم لا فإن لديه مصلحة كما رأينا في الزعم بأن العالم بسيط واضح لا يحتاج إلى طرح أسئلة صعبة أو محرجة كما لا يحتاج إلى تنظير أو تجريد. على مستوى أعمق من ذلك، إذا نظرت إلى الفكر البرجوازي السائد في مختلف العلوم الاجتماعية، ستجد أنه يتسم بالضبط بنفس سمة “فكر” رجل الأعمال هذا، حتى لو عبر هذا الفكر عن نفسه برطانة تضفي عليه هالة أكاديمية. فالمنهج السائد في الفكر البرجوازي بمجالاته المتعددة هو صيغ مختلفة مما يسمى “التجريبية” (empiricism). تتخذ هذه التجريبية اسم الوضعية في القانون، والسلوكية في علم النفس، والوظيفية في علم الاجتماع، والنقدية (نسبة إلى النقد بمعنى العملة وليس النقد بمعنى إعمال العقل!) في الاقتصاد، والواقعية في العلاقات الدولية، ونظرية التحديث في مجال التنمية السياسية، وهلم جراً. القاسم المشترك بين هذه المدارس، وكلها ما شاء الله مهيمن في مجاله، هو أن العالم بسيط واضح يسير على الفهم، يكفي فقط أن تنظر إليه بعناية وتجرد (لاحظ: التجرد بديلاً عن التجريد!) وموضوعية، لكي تفهمه فهماً “علمياً”. وفي ظل هيمنة منظور ما بعد الحداثة على الفكر الاجتماعي اليوم، بما ينطوي عليه هذا المنظور من رفض مبدئي لما يسميه “السرديات الكبرى”، أي تحديداً تلك النظريات التي تحاول أن تفهم العالم ككل، وعلى رأسها الماركسية، فإن هذه النزعة التجريبية تزداد هيمنة في العلوم الاجتماعية؛ إنها مهيمنة إلى حد عدم الإحساس بهيمنتها من فرط أخذها مأخذ التسليم!

إن الفارق بين الماركسية والنظريات المهيمنة في العلوم الاجتماعية هو أن النظريات الأخيرة تنكر (أو لنقل تميل لإنكار حتى لا نبالغ) ما تقوم به من تجريد؛ وإذا شئت مزيداً من الدقة، فإن هذه النظريات لا تعي (بمعنى أن أصحابها لا يعون) ما تنطوي عليه من تجريد. ليس في الأمر بالضرورة مؤامرة. لقد حاولت أن أشرح أن التجريد هو عملية رسم الحدود بين الظواهر. ولكنك إذا كنتَ تنظر إلى هذه الظواهر كأشياء منفصل بعضها عن بعض، فإنك ستميل إلى اعتبار العلاقات القائمة بينها علاقات خارجية (كما رأينا مع نظرة الاقتصاد البرجوازي للعلاقة بين وسائل الإنتاج والعمال)، وبالتالي فسوف تميل للاعتقاد بأن الحدود التي ترسمها فيما بينها موجودة هي الأخرى في الواقع الخارجي، ومن ثم فإنك ستغفل عن الدور الذي تعلبه عملية التجريد في تكوين مفاهيمك عن الأشياء.

باختصار إذن، كلنا نجرِّد، ولكن بعض التجريديين أكثر وعياً بتجريدهم من غيرهم! ولكن ما الذي تتسم به عملية التجريد عند ماركس؟ رأينا في معرض حديثنا عن جدلية ماركس أن جوهرها يكمن في النظر للظواهر كعمليات متغيرة وعلاقات متفاعلة وليس كأشياء ساكنة منفصلة. والمجال الرئيسي الذي يطبق فيه ماركس نظرته الجدلية هو النظام الرأسمالي. نستطيع إذن القول بأن الماركسية كفكر تدرس الحركة المزدوجة لنمط الإنتاج الرأسمالي: حركته التاريخية (من خلال نظر ماركس لرأس المال كعملية)، وحركته العضوية (من خلال نظره لرأس المال كعلاقة). هذه النظرة الدينامية للعالم تدفع ماركس نحو رسم حدود واسعة نسبياً للمفاهيم التي يستخدمها، أي أن مفاهيم ماركس تتسم عموماً بامتداد زماني ومكاني واسع[4]. لكن ما يهمنا هنا بالذات هو وعي ماركس بعملية التجريد التي يقوم بها. وتحديداً لأن ماركس يعي أن المفاهيم التي يستخدمها هي نتاج لعملية تجريد أولاً، ولأنه يعي أن الواقع متغير باستمرار ثانياً، ولأنه يُدرج التفاعل والتغيير في صميم المفاهيم الأساسية التي يستخدمها في تحليل الواقع كما أسلفنا في موضع سابق ثالثاً، فإن ذلك كله يجعل ماركس قادراً على أن يعيد التجريد مجدداً لكي يغير مضمون المفهوم حسب تعقيدات الواقع وتطوراته من جهة، ووفقاً للسؤال الذي يبحث عن إجابته أو المشكلة التي يحاول حلها من جهة أخرى. بعبارة أخرى، تتسم عملية التجريد عند ماركس بمرونة شديدة. وقد كانت هذه المرونة مصدراً خطيراً لسوء فهم ماركس من جانب قرائه والمعلقين على فكره. فأنت إن لم تعِ ما تنطوي عليه مفاهيم ماركس من تجريد (وفي أحيان كثيرة إعادة تجريد)، فإنك لن تستطيع استيعاب ثراء فكره، أو سترى في هذا الثراء تناقضات لدى ماركس طالما برع نقاده في إبرازها. دعنا نأخذ كمثال على ذلك مفهوم ماركس عن الطبقة.

مفهوم الطبقة عند ماركس نموذجاً للتجريد

من بين جميع المفاهيم التي استخدمها ماركس، لعل مفهوم الطبقة (وتصنيف المجتمع إلى طبقات) هو الذي عانى أكثر من غيره من سوء فهم قراء ماركس بسبب جهودهم الرامية إلى الوصول إلى تعريفات وحدود واضحة ودقيقة وثابتة للطبقات التي يتكون منها المجتمع. وللوهلة الأولى، يبدو بالفعل أن ثمة تناقضات كثيرة في تناول ماركس لمفهوم الطبقة. في موضع من رأس المال، يكتب ماركس أن المجتمع الرأسمالي المتقدم لا يضم سوى طبقة رأسمالية وطبقة بروليتارية (العبارة 1). ولكنه في موضع آخر من نفس الكتاب يقول إن ثمة طبقات ثلاث ـ الرأسماليون والعمال وملاك الأراضي الزراعية ـ “تُشكِّل في تعارضها المتبادل إطار المجتمع الحديث” (العبارة 2). طبقتان إذن أم ثلاث، يتساءل كاشفو تناقضات ماركس المزعومة؟ جوهر هذا السؤال يدور حول ملاك الأراضي الزراعية: هل هم جزء من الطبقة الرأسمالية (أم هل اختفوا من الوجود كطبقة) كما توحي العبارة 1 أم أنهم يشكلون طبقة مستقلة كما تقول العبارة 2؟ ولكن الأمر أعقد من ذلك. فماركس يتحدث في مواضع كثيرة للغاية عن طبقات أخرى غير الطبقتين المذكورتين في العبارة 1 أو الطبقات الثلاث المذكورة في العبارة 2. وأهم هذه الطبقات الأخرى هي البرجوازية الصغيرة والفلاحون. يقصد ماركس بالبرجوازية الصغيرة عادة أصحاب الورش والمتاجر الصغيرة الذين لا يملكون سوى القليل من وسائل الإنتاج ولا يشغِّلون سوى القليل من العمال، إن شغَّلوا لديهم عمالاً على الإطلاق. ويقصد بالفلاحين عادة ملاك قطع الأرض الزراعية الصغيرة الذين يزرعونها بأنفسهم. فأين ذهبت البرجوازية الصغيرة وأين ذهب الفلاحون حينما عرَّف ماركس المجتمع الرأسمالي المتقدم بأنه يضم طبقتين أو طبقات ثلاث؟ ثم ما هو الحد الذي يتوقف عنده رجل الأعمال الصغير عن أن يكون برجوازياً صغيراً لكي يصبح رأسمالياً؟ وعند أي قدر من ملكية الأرض يصبح الفلاح جزءاً من طبقة ملاك الأراضي؟ وفي حالة الفلاحين، أحياناً ما يوسع ماركس مفهومه عن البروليتاريا ليشمل صغار الفلاحين، فما هو المعيار؟

وماذا عن بعض فئات السكان الأخرى التي يصعب تصنيفها؟ خذ مثلاً العمال الزراعيين. في بعض المواضع يتعامل معهم ماركس كجزء من البروليتاريا. ولكن من الواضح أنه غالباً ما يقصد بالبروليتاريا العمال الصناعيين والمدينيين عمومًا.[5] فأين ذهب إذن العمال الزراعيون؟ ومن الفئات الإشكالية الأخرى الإنتليجنسيا. يقصد ماركس بالإنتليجنسيا عادة مجموع العاملين بعمل ذهني مثل الأطباء والمحامين والصحفيين والأساتذة والكتاب والكهنة. لكن ماركس أحياناً ما يتناول هؤلاء بوصفهم “الممثلين الأيديولوجيين للبرجوازية”، فيلحقهم إذن بهذه الطبقة، وفي أحيان أخرى يتناول الإنتليجنسيا كطبقة قائمة بذاتها تندرج ضمن الطبقات الوسطى. فما هو التصنيف الصحيح؟ شيء كهذا ينطبق على تناول ماركس لما يسميه “البروليتاريا الرثة”. تشمل هذه الطبقة “الحثالة الاجتماعية، تلك الكتلة النازعة نحو التعفن التي أفرزتها الشرائح الدنيا للمجتمع القديم”. يولي ماركس أهمية كبيرة لهذه البروليتاريا الرثة التي يراها “مرتعاً للصوص والمجرمين من كل لون ممن يقتاتون على فتات المجتمع؛ أناس بلا عمل معين، متشردون، أشخاص بلا قلب ولا دار”. ومثلما رأينا مع الإنتليجنسيا، أحياناً ما يركز ماركس على دور البروليتاريا الرثة في بيع خدماتها للبرجوازية، ليس أيديولوجياً مثل الإنتليجنسيا بالطبع وإنما من خلال العمل ككاسري إضرابات، أو جواسيس على العمال، أو بلطجية من كل لون يستخدمهم المتنفذون لتصفية حساباتهم مع الخصوم خارج القانون، أو مقاتلين ضد العمال في أزمنة الثورة. من هنا وصف ماركس للبروليتاريا الرثة بأنها “الطبقة الخطرة”. ولكن ماركس أحياناً ما ينظر إلى البروليتاريا الرثة نظرة سوسيولجية بحتة، فيرى فيها جزءاً من الطبقة العاملة قسا عليه الزمن وسحقه المجتمع الطبقي.

تلك هي بعض التناقضات التي يرصدها ناقدو ماركس فيما يتعلق بتصنيفه الطبقي للمجتمع الرأسمالي. ولكنهم يشيرون أيضاً إلى تناقضات من نوع آخر تتعلق بمعنى الطبقة عند ماركس. ففي البيان الشيوعي مثلاً ترد العبارة الشهيرة التي يصف فيها ماركس وإنجلز مجمل التاريخ بأنه “تاريخ صراعات طبقية”؛ ولكن في الأيديولوجية الألمانية، نقرأ أن الطبقات هي “نتاج للبرجوازية”. فكيف يستقيم هذا مع ذاك؟

حاول بعض “المدافعين” عن ماركس أن يردوا مثل هذه التناقضات إلى تطور رؤية ماركس للطبقات على مر الزمن. إلا أن أغلب التناقضات الظاهرية التي أشرنا إليها، وغيرها كثير، يرد إما في نفس العمل أو في كتابات تعود إلى نفس الفترة. والواقع أن نقطة البدء لفهم استخدام ماركس لمفهوم “الطبقة” هو إدراك مدى المرونة التي يستخدمه بها. لنتذكر أن هذا المفهوم، مثل غيره من المفاهيم، ينطوي على تجريد، وأن جوهر هذا التجريد هو رسم الحدود. والحاصل أنه حينما يصنف ماركس أو نصنف نحن مجموعة من البشر بأنها تكوِّن طبقة اجتماعية، فإننا نقوم بعملية تجريد مزدوجة: أولاً، نضع حدوداً تميِّز هذه المجموعة من البشر عن سائر الناس، مستخدمين في ذلك معياراً ما (في حالة التصنيف الماركسي، هذا المعيار هو على الأرجح الوضع داخل علاقات الإنتاج)؛ لكننا في نفس الوقت نتغاضى عن الكثير من الصفات الفريدة التي يتصف بها الأفراد المندرجون ضمن هذه الطبقة، أو قل إننا “نجردهم” من صفاتهم تلك باعتبارها غير ذات صلة بانتمائهم الطبقي. فالطبقة العاملة في مصر مثلاً تضم رجالاً ونساءً، مسلمين وأقباطاً، بحاروة وصعايدة ونوبيين وسودانيين وسيناويين وبعض الفلسطينيين (أقول بالمناسبة إن الفلسطينيين في مصر فئة مهمة تعاني أوضاعاً مزرية وتكاد تكون منسية)، يساريين وإسلاميين وناصريين وغير مبالين بالأيديولوجيا، بل أستطيع أن أضيف أنها تضم طوال القامة والقصار، نحيفي القامة والسمان (وإن كان السمان قلة!)، هواة كرة القدم وغير الكرويين، مشجعي الأهلي والمقهورين قهراً مضاعفاً من مشجعي الزمالك، وهلم جراً. هذه الصفات كلها وغيرها ثانوية من منظور الوضع في علاقات الإنتاج. ومن هنا مثلاً وصف ماركس المتكرر للرأسماليين بأنهم “تجسيد” لرأس المال، أو مجرد تعبير عن وظيفة الثروة التي تستهدف دائماً مراكمة المزيد من الثروة عن طريق استغلال العمل المأجور تحت ضغط المنافسة.

معيارنا هنا كان الوضع داخل علاقات الإنتاج كما أسلفنا. ولكن “الطبقة” من منظور ماركس علاقة معقدة ومركبة، وهي تتضمن أبعاداً أخرى غير الوضع داخل علاقات الإنتاج، أو لنقل أنها تضاف إلى الوضع في علاقات الإنتاج. هناك من جهة الظروف الاقتصادية والاجتماعية المعينة التي تقترن بالانتماء إلى طبقة بعينها (كمستوى الدخل مثلاً)، ثم هناك العلاقة العدائية بشكل أو آخر بطبقة أو طبقات أخرى (“الطبقة” عند ماركس علاقة، أي علاقة بين طبقات متعارضة، ولذا فإنه حينما يتحدث عن مجتمع ما بعد الثورة يصفه بأنه مجتمع لا طبقي، على أساس أن وجود الطبقة العاملة وحدها ينفي عنها صفة الطبقة). وهناك بعد ذلك المستوى الثقافي المقترن بالانتماء الطبقي، والحالة الذهنية للطبقة (بما في ذلك الأيديولوجيا والوعي)، والأشكال التي تنظم بها الطبقة نفسها ونضالها السياسي، إلى آخره.

هذه كلها معايير للانتماء الطبقي يهتم بها ماركس. ومن ثم فإن مفهومه عن الطبقة مفهوم مركب يشمل معايير متعددة. ووفقاً للقضية التي تشغله، يستخدم ماركس بعضاً من هذه المعايير في تحليله للطبقات وللصراع بينها. حينما يصف البيان الشيوعي مثلاً مجمل التاريخ بأنه “تاريخ صراعات طبقية”، فإننا هنا إزاء ما يمكن تسميته “الطبقة بمفهوم الحد الأدنى”، أي الحد الأدنى من المعايير؛ أما حين نقرأ أن “الطبقات نتاج البرجوازية”، فإن التركيز هنا يكون على معايير أعلى لمفهوم الطبقة تقوم على ما أتاحه المجتمع الرأسمالي الحديث من إمكانيات اتصال وتبادل للمعلومات والرأي بين أبناء الطبقة على نحو يتيح مستوى أرقى من التكوُّن والتنظيم الطبقيين. ولكن الطبقة عند ماركس، مثل كل مفاهيمه الأساسية، ليست فقط “علاقة”، وإنما هي “عملية” أيضاً. وبالتالي، فحينما يقول ماركس إن المجتمع الرأسمالي المتقدم لا يضم سوى طبقتين، فإنه يتحدث عن هذا المجتمع في صيرورته، أي عن النزوع الكامن فيه للوصول بالاستقطاب الطبقي إلى حد إلغاء كافة الطبقات الوسيطة، وهو نزوع يؤكد ماركس في مواضع أخرى أنه يواجه عوامل معرقلة تحول دون تحققه بالكامل.

أرجو ألا يفهم أحد أنني أريد هنا أن أعفي ماركس تماماً من تهمة الاستخدام “الفضفاض” لمفهوم الطبقة. على الإطلاق. فمن حقنا ربما أن نلوم ماركس لأنه لا يحدد لنا صراحة في كل مرة يستخدم فيها هذا المفهوم طبيعة أو مدى المعايير التي يعتمدها في تحليل الطبقات. ولكنني أود التشديد على أمرين مهمين هنا: أولاً، أن المفهوم مركب، وأنه في تركيبه هذا يقوم على عمليات متوالية من التجريد وإعادة التجريد وفقاً لمعايير تختلف بحسب الأوضاع التي يتناولها التحليل؛ ثانياً، أن هذا الطابع المركب للمفهوم هو نتاج للطابع المركب للواقع نفسه، بل إن الواقع الطبقي أكثر تعقيداً بما لا يقاس من مفهوم الطبقة عند ماركس. ولا تتضح هذه النقطة الأخيرة بأكثر مما تتضح حينما نتناول قضية الوعي الطبقي للعمال.

قلنا قبل قليل إن ماركس ينظر إلى الرأسماليين كتجسيد لرأس المال. ولكن ماركس لا ينظر أبداً إلى العمال كمجرد تجسيد للعمل مثلما هو عليه في المجتمع الرأسمالي. لا حاجة لتذكيرك يا رفيقي (طالما أننا بصدد الحديث عن الوعي الطبقي للعمال فمن الأليق أن نتخاطب الآن كرفاق وليس مجرد أصدقاء) بأن ماركس لا يدرس المجتمع كباحث محايد ينشد الحقيقة المجردة! ماركس مقاتل اختار معسكره. إنه يعي أن هذا المعسكر يحمل إمكانية الثورة التي تقضي على مجتمع الاستغلال والقهر، ويعتبر ماركس نضاله وفكره تدخلاً في الصراع الطبقي من منظور الطبقة العاملة ومشروعها الثوري. والمفهوم الشهير الذي يستخدمه ماركس للتعبير عن هذا المشروع الثوري هو التمييز بين “الطبقة في ذاتها” و”الطبقة لذاتها”.

بما أنك يا صديقي من أنصار الممارسة الثورية ومن غير المتحمسين كثيراً للنظرية، بل ومن المتوجسين منها ربما، فأرجو أن تستبشر الآن خيراً لأنني أخيراً ألعب على ملعبك! نعم ألعب على ملعبك، أي على ملعب الممارسة الثورية. أوليس جوهر ما نقوم به من ممارسة ثورية هو الإسهام في تحوُّل الطبقة العاملة من وضعية “الطبقة في ذاتها” إلى وضعية “الطبقة لذاتها”؟ ولكن بما أنني ألعب على ملعبك وبين جمهورك، فضلاً عن أنني لم أسخن بعد جيداً لهذه المباراة كما أن مستوى لياقتي، ولو بحكم السن، أضعف على الأرجح منك، فدعني أسجل في مرماك هدفاً خاطفاً لصالح فريق النظرية يعطيني أملاً في انتزاع التعادل على الأقل مع نهاية المباراة.

الهدف الذي أسجله في مرماك هو التدليل على ما سبق وقلته لك في مرحلة مبكرة من هذا المقال دفاعاً عن النظرية، أي أن دور النظرية ليس هو تعقيد الواقع البسيط، وإنما على العكس تبسيط الواقع المعقد. تأمل معي يا رفيقي هذه المهمة المطروحة علينا: الإسهام في تحوُّل الطبقة العاملة من وضعية “الطبقة في ذاتها” إلى وضعية “الطبقةلذاتها”. لغوياً، المسافة بين الحالتين قصيرة للغاية. فبين حرفي الفاء واللام حرفان فقط من حروف الأبجدية هما القاف والكاف. وعلى صعيد المفهوم، أي على صعيد النظرية والتجريد، الأمر أيضاً واضح نسبياً ويسير الفهم. فالطبقة في ذاتها هي الطبقة العاملة القائمة “موضوعياً”، أي الطبقة العاملة منظوراً لها من حيث موضعها في علاقات الإنتاج. أما الطبقة لذاتها، فهي الطبقة العاملة وقد وعت بمصالحها الطبقية وصارت جاهزة للاضطلاع بدورها الثوري.

 تبدو المهمة بسيطة إذن لغوياً ونظرياً. أما في الواقع، فيا لها من مهمة! تعال نتأمل المسافة بين الحالتين القصويين: حالة الطبقة في ذاتها مفتقرة إلى أي وعي بمصالحها، وحالة الطبقة لذاتها بالمعنى الأكمل للكلمة. قد يرى البعض أن وضع الطبقة في ذاتها دون إدراك لأي نوع من المصالح هو وضع مستحيل غير موجود في التاريخ. ولعل هذه الملحوظة صحيحة في حالة الطبقة العاملة ككل، ولكنها بالتأكيد غير صحيحة في حالة أقسام من تلك الطبقة. فمن الممكن تماماً أن يكون هناك في وقت ما ومكان ما عمال سحقهم المجتمع الطبقي إلى حد أنه قضى لديهم على أي درجة من درجات الوعي بمصالحهم. ونجد في أعمال ماركس أمثلة على ذلك. فهو يتحدث مثلاً في المجلد الثالث من رأس المال عن أثر الكساد الاقتصادي على عمال النسيج الإنجليز في عام 18622، ويقتبس مقولة لأحد مفتشي المصانع نقرأ فيها ما يلي: “تزايدت معاناة العمال تزايداً هائلاً منذ كتابتي لتقريري الأخير؛ ولكن لم يسبق في تاريخ العمال الصناعيين أن جرى تحمُّل ألوان من المعاناة مفاجئة إلى هذا الحد وقاسية بهذه الدرجة بكل هذا الاستسلام الصامت وكل هذا الاحترام الصبور”. وينقل ماركس في هذه المناسبة تعليقاً لعضو برلمان من إحدى أشد المناطق تضرراً آنذاك جاء فيه: “تصرَّف عمال لانكشاير مثل الفلاسفة الأقدمين (الرواقيين)”، حيث يضيف ماركس بسخرية وسخط معاً: “وليس مثل الخرفان؟”

ولكن دعنا نتفق أن هذه حالة قصوى. ليكن. ولكن حينما يبدأ العمال في إدراك أن لهم مصالح، ليس ثمة ما يضمن أن ينظروا إلى تلك المصالح كمصالح طبقية، أي مصالح للطبقة ككل. إن المجتمع الرأسمالي يقوم على المنافسة، وهذه المنافسة قد توجد أيضاً بين صفوف العمال، بل إن الرأسمالية تتفنن في إيجاد المنافسة بينهم على كافة المستويات باستخدام أساليب فرق تسد. وليس من البديهي دائماً بالنسبة للعامل أن الطريقة الأفضل للحصول على وظيفة أفضل أو أجر أعلى أو ظروف عمل أفضل هي التضامن الطبقي. ويصف ماركس الفرد في المجتمع الرأسمالي بأنه “منسحب داخل نفسه، مشغول بالكامل بمصلحته الفردية، يعمل وفق نزواته الخاصة”، كما يكتب ماركس في الأيديولوجية الألمانية أن “المنافسة تجعل الأفراد، ليس البرجوازية فحسب ولكن العمال أكثر، في حالة عداء متبادل، على الرغم من أنها تجمعهم معاً”. وتطل هذه المنافسة بين العمال برأسها أول ما تطل عند بوابة المصنع (أو محل العمل) حينما يُسمح للبعض بالدخول على حساب البعض الآخر. وفي داخل المصنع، يستمر التنافس بين العمال على فتات الامتيازات التي قد يعطيها صاحب العمل للبعض دون البعض الآخر مثل الأعمال الأيسر والأفضل أجراً. وبعد الخروج من المصنع، ومع توفر القليل جداً من المال لشراء الاحتياجات الضرورية، قد يمسك العمال مرة أخرى بتلابيب بعض سعياً للحصول على الطعام والملبس والمأوى الملائم (وليس قتلى طوابير الخبز في مصر ببعيد).

لننتقل الآن إلى حالة أكثر شيوعاً نسبياً، وهي إدراك العمال أن لهم مصالح خاصة بهم، وأن لهذه المصالح طبيعة طبقية، أي أنها توحد صفوف الطبقة ككل وتحتاج إلى التضامن الطبقي من أجل تلبيتها. هذا الوضع يا رفيقي العزيز أفضل كثيراً من سابقيه، لكنه بالنسبة لك بداية المتاعب وليس نهايتها! عمالنا هنا يعون مصالحهم الطبقية، ولكن ليس بالضرورة أن تكون هذه المصالح أهم عندهم من انتماءات أخرى قومية أو دينية أو عرقية أو غيرها. والتاريخ حافل للأسف بأمثلة لتوحُّد العمال مع مستغليهم في ظل ظروف الطوارئ مثل الحروب، خاصة حينما تُشن تلك الحروب باسم الوطن على حين أن هدفها الحقيقي هو زيادة أرباح القلة المسيطرة. ولكن لنفرض أننا تجاوزنا هذه المشكلة، وصار الوعي الطبقي عند العمال أقوى من أي انتماءات تفرق صفوفهم وتوحدهم مع العدو الطبقي. هذا الوضع أفضل كثيراً، ولكنه لا يعني أن العمال سيرون تلقائياً أن مصلحتهم الطبقية تكمن في القضاء كلياً على نظام الاستغلال. هناك مقولة شهيرة رد بها قائد نقابي حينما سُئل عما يريده العمال؛ أجاب الرجل: “المزيد”. في أحوال كثيرة، وحتى في ظل أقوى الحركات النقابية وأفضلها تنظيماً (بل ربما عليَّ أن أقول خصوصاً في ظل أقوى الحركات النقابية وأفضلها تنظيماً)، تكون مطالب العمال بالغة الحذر والتدرج: أجور أفضل قليلاً مما يحصلون عليه، ظروف عمل أفضل قليلاً مما يعرفونه، وهلم جراً. بل إن هذا الوضع يظل قائماً حتى حينما تكون أحوال العمال آخذة في التدهور. إنهم في هذه الحالة غالباً ما يناضلون من أجل وقف التدهور أو الحد منه، وليس حتى تحسين أوضاعهم تحسيناً طفيفاً. قبل أن تكتئب يا رفيق، أزف إليك النبأ السار: يحدث أيضاً في ظروف معينة من احتدام الصراع الطبقي أن يتجاوز وعي العمال هذه المرحلة وأن يصبح هدفهم هو القضاء على النظام الرأسمالي برمته وليس مجرد تحسين شروط الاستغلال. ولكن انتظر يا رفيق، مهمتك لم تنته، بل إنها بالكاد تشرع في “الدخول في الجد”! فالطبقة العاملة التي صارت الآن واعية بمصالحها كطبقة، وتعطي الأولوية لتلك المصالح على أي انتماءات أخرى، وتنظر إلى مصالحها نظرة استراتيجية تستهدف التخلص من مجمل نظام الاستغلال، أقول إن هذه الطبقة التي تطرق أبواب التاريخ بقوة لا يتوفر لها بالضرورة آنذاك الثقة الكافية في نفسها للاعتقاد بأنها قادرة على أن تحقق هذا الهدف بنفسها. والتاريخ يقول لنا إن العمال في ظل حالات احتدام الصراع الطبقي هذه عادة ما يمنحون ثقتهم، خصوصاً في بدايات الحالة الثورية، لقادة إصلاحيين، خصوصاً إذا كان لهؤلاء القادة تراث محترم من النضال، وإذا كانوا يرفعون شعارات ثورية مثل القضاء على الرأسمالية وبناء المجتمع الاشتراكي (بالطبع من خلال وصولهم هم للسلطة بدعم من العمال، وليس من خلال مغامرات “طفولية” كأن يحاول العمال بأنفسهم أخذ الزمام في أيديهم). هنا يا رفيق تصل أهمية دور الثوريين إلى الذروة كما يعلمنا التاريخ. ولكن انتبه، فحتى لو افترضنا أنهم (أقصد الثوريين) كانوا يتمتعون بنفوذ معقول يتيح لهم التأثير في مجرى الأحداث، وأنهم استطاعوا كسب غالبية الطبقة العاملة لفكرة أنها يجب أن تأخذ الأمور بأيديها وأن تحقق تحررها بنفسها، فإن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد! الخطوة الحاسمة هنا، خطوة الانتقال من حالة عشية الثورة إلى حالة الثورة الظافرة، تتطلب شيئاً آخر ربما أكبر من الوعي بالمعنى الذي وصلنا إليه حتى الآن؛ إنها تتطلب الجسارة الثورية، تتطلب عدم الخوف في اللحظة الحاسمة، لحظة انتصار الثورة.

إن هذه الدرجات المختلفة من وعي العمال (مع مراعاة تفاوت الوعي بين أقسامهم بل وأفرادهم) تجعل الانتقال من حالة “الطبقة في ذاتها” إلى حالة “الطبقة لذاتها” أقرب إلى لعبة السلم والثعبان. الماركسية في هذه اللعبة هي الثعبان. لكن بخلاف ثعبان اللعبة الأصلية، يرمي الثعبان الماركسي تحديداً إلى الإسهام في الوصول إلى أعلى درجات السلم، وليس إلى إعادة اللاعبين (العمال) لأسفل. و”السم” الذي يجعل هذا الثعبان خطراً فعلاً على المجتمع الرأسمالي هو تحديداً المنظور الجدلي للعالم بما ينطوي عليه من قدرة على التجريد الرامي إلى حسن قراءة الواقع المعقد والتفاعل معه ثورياً. أما إذا جردنا الماركسية من هذا “السم”، فإن الثعبان يكون قد تم تدجينه.

ما هي الممارسة الثورية؟ المطلوب من الثوريين هو أن يعرفوا كيف يتعاملون مع الطبقة، تعلماً وتعليماً، في مختلف مراحل وعيها ونضالها، علماً بأن الانتقال بين تلك المراحل، صعوداً وهبوطاً، لا يتم دوماً خطوة خطوة وإنما كثيراً ما يحدث على طريقة القفزات. فالمسافة الفاصلة بين الطبقة في ذاتها والطبقة لذاتها ليست في الواقع درجات سلم وإنما هي “متصل” continuum يتضمن حالات مركبة ومتداخلة. ولكن معرفة كيفية التعامل مع الطبقة في مختلف مراحل وعيها ونضالها تعني أن يكون مفهومنا عن الطبقة العاملة من المرونة بحيث يستطيع تفهم الأحوال المختلفة التي قد يكون عليها وعي الطبقة أو أقسامها التي نحن على اتصال بها. بعبارة أخرى، نحن نحتاج في خضم الصراع الطبقي، وليس فقط حينما نؤلف الكتب والمقالات أو نقرأها، إلى التجريد وإعادة التجريد مراراً وتكراراً لكي يكون مفهومنا عن الطبقة، وعن احتمالات تطورها، قريباً في ثرائه من الواقع الفعلي.

هذا يا رفيقي هو المعنى الذي قصدته بعنوان هذا المقال: التجريد ضرورة ثورية.

التجريد والواقع، النظرية والممارسة

أرجو أن يكون واضحاً الآن أن دفاعي كل هذا الدفاع المرير عن التجريد لم يكن بغرض إبعاد الرفاق الثوريين عن الواقع، بل بغية زيادة فعالية تعاملهم مع هذا الواقع. انظر معي إلى هذه الصيغة التي يعبِّر ماركس بها عن منهجه. يقول ماركس إن منهجه ينطلق من “الواقع الملموس” (العالم كما يبدو لنا)، ثم يمضي على طريق “التجريد” (النشاط الذهني المتمثل في تفكيك الكل إلى وحدات ذهنية نستطيع بفضلها أن نفكر فيه) بغرض إعادة إنتاج “الملموس المدرَك” (الكل وقد أعيد بناؤه وأصبح مفهوماً للعقل). إن الواقع الملموس هو ببساطة العالم الذي نعيش فيه بكل تعقيده. أما “الملموس المدرك” فهو نفس هذا العالم وقد أصبح مفهوماً بعد فك شفراته، وهو ما يتجلى في مجموع النظريات التي نطلق عليها اسم الماركسية. أما الطريق الملكي الذي يقود من “الواقع الملموس” إلى “الملموس المدرك”، فهو عملية التجريد. ومن اللافت أن ماركس يصف منهجه في موضع آخر بأنه “الصعود من المجرد إلى الملموس”. لاحظ هنا كلمة الصعود. إننا حينما نجرد (أي حينما ننظر)، فإننا لا نحلق في السماء، بل ننزل تحت الأرض إذا شئت. أنا مثلاً أجيد قيادة سيارتي، ولكنني ثور الله في برسيمه في مجال ميكانيكا السيارات. ما الذي يفعل الميكانيكي حينما أرسل السيارة إليه وقد تعطلت؟ إنه نادراً ما يفحص السيارة بالصعود فوقها، ولكنه في الواقع ينزل تحتها لكي يفحص ما بها. انظر إلى الكلمة الإنجليزية التي تعني “فهم”. كلمة understand تأتي من stand وunder. فأنت لكي تفهم الواقع تحتاج أن تقف تحته بحثاً عن أسراره الداخلية، لا أن تحلق فوقه. وحينما تكون “تحت” الواقع، فإنك تكون أقدر على تغييره، مثلما أن رافع الأثقال ينزل تحت الثقل لكي يرفعه لأعلى.

التجريد إذن لا يبعد بنا عن الملموس سوى لكي يعود بنا إليه مرة أخرى بطريقة أكثر فعالية ووعياً. ولكن انتبه. فحتى هذا “الملموس المدرك” يظل مجرداً نسبياً. إنه يظل مجرداً نسبياً تحديداً لأن هدف الماركسية ليس هو فهم العالم وإنما تغييره. لقد ألف لينين كتابه الدولة والثورة خلال الشهور الحاسمة السابقة على انتصار ثورة أكتوبر. وفي خاتمة الطبعة الأولى من الكتاب التي صدرت في نوفمبر 19177، كتب تنبيهاً إلى القراء جاء فيه:

كُتب هذا الكراس في أغسطس وسبتمبر سنة 1917. وقد وضعت منهاج الفصل التالي، السابع «خبرة ثورتي سنة 1905 وسنة 1917 الروسيتين». ولكن لم يتسن لي أن أكتب من هذا الفصل أي سطر عدا العنوان، فقد «أعاقتني» الأزمة السياسية، عشية ثورة أكتوبر سنة 1917. ومن شأن مثل هذه «العقبة» أن تدخل السرور فعلاً على قلب المرء… إذ أن خوض « خبرة الثورة » أطيب وأجدى من الكتابة عنها.

كان بوسع لينين أيضاً أن يقول إن خوض خبرة الثورة يغني بمعنى ما عن الكتابة عنها، لأن الثورة هي التي تجعل “فكرة الثورة” ملموسة حقاً.

لماذا أحتاج لكتابة مقال كهذا لمحاولة إقناع المنتمين إلى اليسار الجذري في مصر والعالم العربي بأهمية النظرية الثورية وبالصلة الوثيقة بين النظرية الثورية والممارسة الثورية؟ الإجابة السطحية عن هذا السؤال تقول: لأن ثمة موقفاً في صفوف اليسار الجذري ينفر من النظرية والتنظير ويحتقرهما، أو على الأقل يقلل من أهميتهما. بيد أن هذه ليست إجابة على الإطلاق وإنما هي إعادة طرح للسؤال نفسه بصيغة أخرى! في تقديري أن مشكلة النظرية والممارسة أكبر كثيراً من أن نردها إلى ميول بعض اليساريين العرب اليوم، سواء كانت هذه الميول تنحو نحو تقديس النظرية أو احتقارها. المشكلة تعود في تقديري إلى أزمة أوسع بكثير تتعلق بالماركسية نفسها.

إذا كان ماركس قد أصبح “ماركسياً” في عام 1844 حينما اكتشف ثورية الطبقة العاملة نفسها وكتب المخطوطات الاقتصادية والفلسفية، فإننا نكون إزاء تاريخ للماركسية عمره 166 عاماً (وقت كتابة المقال في عام 2010). خلال النصف الأول من هذه الفترة، 83 عاماً بالتمام والكمال، كانت النظرية أو النظريات الماركسية (السمك وفق تشبيهنا) تعيش في بيئتها الطبيعية، في مياه البحر المتمثل في الحركات العمالية الجماهيرية. أما في النصف الثاني من عمر الماركسية، وخلال 83 عاماً امتدت من سنة 1927 إلى اليوم، فقد راح هذا السمك يعيش في مياه صناعية تفتقر إلى الحياة هي الجامعات، حيث بات تطوير النظرية الماركسية يجري بصورة أساسية من خلال الإنتاج الأكاديمي. هذا الانتقال كان نتيجة لسلسلة من الهزائم التاريخية الكبرى التي تعرضت لها الطبقة العاملة العالمية بعد الموجة الثورية العظيمة بين عامي 1917 و1923. لماذا أرمز بالعام 1927 للانتقال بين العالمين؟ لأنه العام الذي شهد هزيمة الثورة الصينية وقضاء ستالين على بقايا المعارضة لسلطة البيروقراطية الصاعدة على أنقاض ثورة العمال تمهيداً لإنجاز تلك البيروقراطية لمهمتها التاريخية المتمثلة في اللحاق بالرأسمالية الغربية المتقدمة عن طريق تقليد وسائلها، وبناء رأسمالية الدولة في روسيا.

لم تتعافَ الماركسية من هذه الهزيمة، خصوصاً أن الضربة بدت وكأنها تأتي من “نيران صديقة”، لأنها تمت باسم ثورة أكتوبر بالذات! وجزئياً بسبب غياب النظرة الجدلية إلى الأمور، صدَّقت الغالبية العظمى ممن اعتبروا أنفسهم ماركسيين أن ستالين كان امتداداً للينين. بالطبع يحق لنا أن نسألهم بأثر رجعي (ومن دواعي فخري أن التيار الاشتراكي الأممي طرح السؤال في حينه وفي ذروة مجد الستالينية) إذا كان ستالين امتداداً للينين، فلماذا قتل ستالين اللينينيين جميعاً؟! ولكن مهما كان السؤال مفحماً، فإن الضرر قد لحق.

لم يخلُ انتقال السمك الماركسي من بحر الصراع الطبقي إلى ترعة الجامعة من بعض المزايا (انظر مثلاً الإنجازات رفيعة المستوى لمدرسة فرانكفورت). ولكن ضرره كان بالقطع أكبر من نفعه. ليس فقط لأن الماركسية قد انعزلت عن الصراع الطبقي، ومن ثم انعزلت النظرية عن الممارسة، ولكن أيضاً لأن السمكة المفعمة بالحياة (النظرية الثورية) راحت تتحول في الترعة إلى مسخ لما كانت عليه. ففهم الماركسية الذي ساد بالتدريج في البيئة الجديدة (والذي ربما لعب الفيلسوف الفرنسي ألتوسير الدور الأكبر في ترسيخه) نفى نظرياً إمكانية الثورة من أسفل، ورفض مقولة إن الماركسية هي نظرية الثورة العمالية العالمية محولاً إياها إلى نظرية “محترمة” في الأوساط الأكاديمية، نظرية مخصية. في خضم ذلك، لم ينس ألتوسير أن يشن حرباً على جدلية ماركس، نازعاً بذلك السم عن الثعبان.

هذا هو السياق العام للتوتر بين النظرية والممارسة الذي نعيشه. ولكن التراث الماركسي الثوري لم يمت ولن يموت. لم يمت لأن اليسار الثوري في العالم استطاع رغم كل شيء أن يحافظ على الراية عالية خفاقة. ولن يموت لأن الطبقة العاملة التي تلقت هزائم عديدة لن تموت. هي لن تموت لأن البرجوازية لا تستطيع أن تعيش بدونها. البرجوازية محكوم عليها بتحقيق الانتصار تلو الانتصار (أي المذبحة تلو المذبحة، والكارثة الإنسانية تلو الكارثة الإنسانية) لكي تظل على قيد الحياة، أما الطبقة العاملة فيكفيها انتصار واحد حاسم وتاريخي لكي يبدأ فجر التاريخ الحقيقي للبشرية. التراث الماركسي الثوري إذن لم يمت ولن يموت. وإذا كنا نريد أن نسهم في إبقائه حياً ودفعه قدماً، فإن علينا أن نعرف كيف نقف ضد التيار، وكيف نعيد الاعتبار مرة أخرى في مصر والعالم العربي لنظرية الممارسة.

وأزعم أن إعادة الاعتبار هذه تحتاج منا أن نتجنب ونتجاوز موقفين معيبين من النظرية هما في الواقع وجهان لعملة واحدة. الموقف الأول هو احتقار النظرية. وآمل أن يقنع ما جاء في هذا المقال بعض القراء من أصحاب هذا التوجه بأن النظرية الثورية وما تنطوي عليه من تجريد ضرورية للممارسة الثورية، وأنها تستحق التعامل معها بجدية. أما الموقف المعيب الآخر فهو تقديس النظرية. والواقع أنه لا مجال في الماركسية الثورية لأي تقديس للنظرية. الهدف هو تغيير العالم لا فهمه. ثم إن التركيز على الماركسية كمنهج على النحو الذي حاول هذا المقال الدفاع عنه من شأنه أن يساعدنا على امتلاك الأدوات التي تعيننا على استيعاب التراث النظري للماركسية بشكل نقدي بغية تطوير النظرية الثورية لكي تلائم الواقع المتغير دوماً.

وإذا كانت النظرية الثورية ضرورية للممارسة الثورية، وإذا كانت الممارسة الثورية ضرورية للنظرية الثورية، فلا مجال هنا للمفاضلة بين الاثنين. إن الذي يستغنى عن النظرية الثورية لا يستغنى عن النظرية عموماً، وإنما يتبنى ضمناً وبلا وعي نظرية رديئة تدفع بالممارسة الثورية في طريق مسدود. وفي المقابل، فإن الذي يستغنى عن الممارسة الثورية، يخرج السمك الماركسي من مياه البحر ويحكم عليه بالموت.

وأرجو أن يكون تأكيدي على أن المنهج الجدلي في فهم الواقع وتغييره أهم كثيراً مما يفرزه من نظريات دافعاً لنا لأن نعي أن الذين “يعلمون” بمعنى أنهم قرؤوا كثيراً ربما كانوا أقرب إلى “الجهلاء واسعي الاطّلاع”، على حد التعبير الرائع للمناضل والمفكر اليساري الراحل صلاح العمروسي، إن لم يكونوا ملمين بالمنهج الجدلي؛ وهذا المنهج، في جوهره، لا يحتاج استيعابه إلى أن يكون المرء “دودة كتب” قدر احتياجه إلى نظرة للعالم أوسع وأرحب مما تُعلمنا إياه تحديداً النظريات التي لا يكفون عن تلقيننا إياها في المدرسة والجامعة ووسائل الإعلام وسائر أدوات غسيل المخ في المجتمع.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] هذا الرسم الكاريكاتيري مأخوذ من كتاب الفيلسوف الماركسي برتل أولمان “كيف تخوض امتحانًا وتغير العالم”.

Bertell Ollman, How to Take an Exam…and Remake the World (Black Rose Books, 2000).

[2]  أنا مدين في فهمي لعملية التجريد عند ماركس إلى حد كبير للفيلسوف الماركسي برتل أولمان، وهو جدير في رأيي بأن يُدرس بجدية من قِبَل الرفاق. انظر موقعه على الإنترنت: http://www.nyu.edu/projects/ollman/index.php

[3]  يحتاج الفهم العميق لجدلية ماركس إلى الإلمام بما يمكن تسميته “فلسفة العلاقات الداخلية”، وهي الرؤية الفلسفية التي يندرج ضمنها فكر ماركس ومعه فلاسفة مثل سبينوزا وليبنيتز وهيجل. غير أن هذا الأمر يخرج عن نطاق هذا المقال. مرة أخرى، توفر كتابات أولمان مدخلاً رائعاً في هذا المجال.

[4]  فيما يتعلق بأنماط التجريد عند ماركس، أحيل القارئ مرة أخرى إلى أعمال برتل أولمان.

[5] مفهوم ماركس عن البروليتاريا أوسع من أن يحصرها في العمال الصناعيين وحدهم، وهذه نقطة بالغة الأهمية عند تحليل الطبقة العاملة في عالم اليوم، لكن هذا ليس موضوعنا هنا. ومن أجل تناول جيد لهذه المسألة، انظر: Alex Callinicos and Chris Harman, The Changing Working Class: Essays on Class Structure Today(London: Bookmarks, 19877). وللاطلاع على محاولة ماركسية غير تقليدية لكتابة تاريخ الطبقة العاملة العالمية، انظر: Marcel van der Linden, Workers of the World:Essays Towards a Global Labor History (Brill, 2010) . وللاطلاع على تحليل ماركسي للطبقة العاملة العالمية في مطلع القرن الحادي والعشرين، انظر: Chris Harman, Workers of the World (Marxists Internet Archives, Autumn 2002)  .

عن الثورة والحزب وأفول الرأسمالية PDF

روزا لوكسمبورغ

ترجمة: أحمد فاروق

مراجعة: محمد أبو زيد

تحرير: يورن شوترومبف

الناشر: مؤسسة روزا لوكسمبورغ

آلان وودز
تيد غرانت

«على الرغم من أن تروتسكي أيد لينين ضد معارضة كامينيف وزينوفييف بخصوص ضرورة تنظيم الانتفاضة في أكتوبر 1917، فإنه سرعان ما وجد نفسه على خلاف معه في بداية عام 1918 بخصوص توقيع معاهدة السلام مع ألمانيا. إن الطريقة التي تصرف بها في هذه المسألة تبرز في نفس الآن نقاط قوته ونقاط ضعفه» (Cogito، الصفحة 17)

هذه هي الإشارة الأولى والأخيرة في مقال جونستون لنضال لينين ضد “البلاشفة القدماء” في عام 1917. إن كونها جاءت على الهامش دلالة على المكان الذي تحتله في نظرة مونتي جونستون للأشياء. لقد كان لتروتسكي، “عرضا” بطبيعة الحال، نفس موقف لينين بشأن مسألة ثورة أكتوبر التافهة، في مواجهة معارضة كامينيف وستالين وزينوفييف، لكنه وجد نفسه مرة أخرى في معارضة “الخط الصحيح” بخصوص “المسائل الجوهرية” الأخرى. (المزيد…)

ستيوارت إيسترلينغ
المصدر: إنترناشنال سوشالست رفيو
ترجمة: مدونة ما العمل؟

إنّ الرأسمالية نظامٌ اقتصادي ميّالٌ، في جوهره، إلى الوقوع في الأزمات. وتدفعه قوىً تجعله غير مستقر، وفوضوي، ونازعًا للتدمير الذاتي. هذا الأمر ينطبق عليه اليوم كما انطبق عليه قبل 150 عامًا، حين وصف كارل ماركس ومُعاوِنه فريدريك إنجلز الرأسمالية في «البيان الشيوعي» بأنها مجتمعٌ «أبدع، كما في السِّحر، وسائل الإنتاج والتبادل الضخمة، يُشبه المشعوذ الذي فقد سيطرته على القوى الجهنمية التي استحضرها». (المزيد…)

البيان الشيوعي PDF
كارل ماركس – فريدريك أنجلز
 أول ترجمة غير مزورة
ترجمه وقارنه عن الألمانية وعلق بقاموس ماركسي على كلماته التاريخية والنظرية: العفيف الأخضر
روب سيويل
آلان وودز
المصدر: إن ديفينس أوف ماركسزم
بالإمكان تحميل الكتيّب على صيغة PDF عبر هذا الرابط

مقدمة

الماركسية، أو الاشتراكية العلمية، هي التسمية المطلقة على مجموعة الأفكار اللاتي وضعها كلٌّ من كارل ماركس (1818-1883) وفريدريك إنجلز (1820-1895)، والتي في مجملها توفر أسس فكرٍ نظريٍّ مفصّلٍ لنضال الطبقة العاملة من أجل بناء تكوين أعلى من تكوينات المجتمعات البشرية، ألا وهو الاشتراكية.

وفي حين أنّ المفاهيم الماركسية طورتها وأثرتها، فيما بعد، التجارب التاريخية للطبقة العاملة نفسها، إلّا أنّ الأفكار الأساسية لا تزال ثابتةً، موفرةً أسسًا راسخةً للحركة العمّالية في يومنا هذا، إذ لم تُطرح أي نظرية أكثر تفوقًا وصدقًا أو أكثر علميةً في تفسيرها لحركة المجتمع ودور الطبقة العاملة في تلك الحركة، سواء قبل حياة كارل ماركس أو بعده. ولذلك فإن المعرفة الماركسية تزود البروليتاريا بالنظرية للقيام بمهمتها التاريخية العظيمة، ألا وهي مهمة التحويل الاشتراكي للمجتمع. (المزيد…)

جينفر روش
المصدر: إنترناشونال سوشالست رفيو
ترجمة: فريق الترجمة
الناشر: مدونة ما العمل

طُرحتْ العلاقة بين العفويّة والتنظيم مجددًا من خلال الأحداث المُزلزِلة بحقّ في العام الماضي. ففي العقد الأخير أو قبلها بقليل، وحتمًا منذ ١١ سبتمبر، لم تتواجد إلّا مقاومةٌ ضئيلةٌ نسبيًا لمَوْجَةِ الهجمات المتواصلة التي شنّتها الطبقة الحاكمة. كانت هنالك أحداثٌ ملهمةٌ بشكلٍ لا يُصدّق — المظاهرات الكبيرة لحقوق المُهاجرين في ٢٠٠٦، مسيرة المساواة من قِبَل مجتمع المثليين والمثليّات وثنائيي ثنائيات الميول والأفراد الترانز* (LGBT) في عام ٢٠٠٩ – لكنّ هذه النضالات كانت معزولةً بشكلٍ كبيرٍ عن بعضها البعض، وبدا أنها تنحسر بنفس سُرعة نُهوضها.

لكن في العام الماضي، اجتاحتْ العالم موجةٌ من المقاومةِ بدا وكأنّها جاءت من العدم. أولاً مصر، دولةٌ كانت تُعاني تحت ظلّ الحكم الديكتاتوري لمدة ثلاثين عامًا، اهتزّتْ عبر مظاهراتٍ هائلةٍ حين ملأ الملايين ميدان «التحرير» ورفضوا المغادرة ثمانية عشر يومًا حتى سقط النظام. ثلاثون عامًا انقضتْ في ثمانية عشر يومًا. بعدها قام العاملون والطلاب في ماديسون، ويسكانسن باحتلال مبنى الكابيتول احتجاجًا على حربٍ شعواء ضدّ نقابات القطاع العام. وانبثقت مظاهراتٌ طلابيّة في تشيلي، وفي سبتمبر العام الماضي، قامت مجموعةٌ تعدادُها بعض المئات من الناشطين بالاستيلاء على متنزّهٍ بالقرب من «وول ستريت» وتمكّنتْ من إشعال حراكٍ ضخمٍ حَوّلَ النقاش السياسي في الدولة، وقائمة هذه الموجات تطول.

هناك صورةٌ شائعةٌ يتمّ تداولها على فيسبوك بها دزينةٌ من الصور التي تُظهرُ أمواجًا من البشر يقومون بالتظاهر في الشوارع بمدنٍ مختلفةٍ من العالم، والتّعليقُ المكتوب عليها: «يحاول العالم أن يخبرنا هذا العام أنّ كلّنا واحد». وفي ذلك شيءٌ من الصحة؛ يمكن أن يوصف عام ٢٠١١ أنّه عامٌ تميّز بانفجاراتٍ لنضالاتٍ «عفويّة». فمجيءُ هذه النضالات بعد سنينٍ من التراجع كان بمثابة السّيل المُطهّر للساحة السياسية. فبعد كثيرٍ من الركود والتثبيط، فَتحتْ هذه النضالاتُ أبوابًا جديدةً وطرقًا جديدةً للتفكير. فقد صار ممكنًا تكوينُ بديلٍ للوضع الحاليّ، وهذا أمرٌ جوهريّ من أجل البدء في تغيير هذا الوضع. فجماهير الطبقة العاملة التي شُطِبَت بوصفها ساكنة ومُقيّدة بفعل الهموم التافهة ونُعِتَت بالبلادة صارتْ فجأةً تُعتبر مادّةً تاريخيّةً قادرةً على القيام بأفعالٍ بطوليّة وتضحيات.

وفي لحظات النشوة بالتحديد – حين سقط الرئيس المصري حسني مبارك، وحين تم الاستيلاء على مبنى الكابيتول في ماديسون، وحين تمّ الدفاع عن متنزه «زوكوتي» بنجاحٍ في ساعات الصباح المبكرة – فقد كان هناك ميزةٌ هوجاء لأحداث العام الماضي. فجأةً، صار كلّ شيءٍ ممكنًا. وكلمات الشاعر وردسوورث والمكتوبة عن الثورة الفرنسية: «نعمةٌ أن تكونَ حيًّا في ذاك الفجر» تبدو بليغة التعبير.

لكن إذا أَظهرَ العام الماضي الإمكانيّات الهائلة الموجودة لدى الناس العاديين من أجل تغيير المجتمع وِفقَ مصلحتهم الخاصة، فقد أظهر أيضًا الاحتياطيّات الهائلة التي اتخذتها الضفّة الأخرى. ربّما نحن قادرون على إسقاط مبارك، لكنّ تفكيك كاملِ آليّات الثروات والمميزات والسلطة التي بُني عليها النظام أمرٌ آخر، والتحدّي الأصعبُ هو إبدال النظام بواحدٍ مبنيٍّ على وعيٍ وتديرُه الجماهير من أجل مصالح الأغلبية العظمى من الناس.

نحن لا زلنا في بداية هذه العملية؛ ففي كل مكانٍ تواجه هذه الثورات الجماعيّة تحدياتٍ حقيقيّةٍ حول المضيّ قدمًا. ففي ويسكونسن، لم ينجح المحافظ سكوت واكر في الانتخابات المُعادة فحسب، بل سحق خصمه من الحزب الديموقراطي. وفي مصر، على الرغم من تفادي انقلابٍ عسكريٍّ شاملٍ حتى الوقت الراهن، فإن القيادات العليا للقوّات المسلحة لا تزال ممسكةً بزمام الأمور؛ وحركة «احتلّوا وول ستريت» (OWS) اختفتْ على الرّغم من كون التّفاوت الاقتصادي والظّلم الذي غذّى الحركة لا يزال آخذًا في النمو.

هذه حقيقةٌ لا بدّ من مواجهتها مباشرة، يقع هذا السببُ بالتحديد وراء أهمّية طرح السؤال حول العلاقة بين النّضال العفوي والمنظّم. هناك الكثير ممن استنتجوا من أحداث العام الماضي أن أبرز وأهمّ العوامل تحديدًا كان عفويّ الطابع – بمعنى أنّ الناس لم يتمّ استدعاؤهم أو تنظيمهم من قبل نقابات العمّال أو المنظّمات اليسارية. هناك ميلٌ للاحتفاءِ بغياب الأحزاب السياسية والارتياب من أيّ قوّاتٍ منظّمة والجدال حول كون الأشكال التقليديّة للمنظّمات قد استُبدلتْ بشبكاتٍ أفقيةٍ من الناشطين الذين اجتمعوا معًا في الفضاءات العامّة لتحسين استراتيجيّاتهم وخُططهم.

انحسرت الفكرة المغلوطة عن كون النّاس أنانيين أو أنّهم أكثر بلادةَ من أن يُقاوموا؛ لكنّ حلّت محلّها أسطورةٌ جديدة: أنّ الطاقة الثوريّة وفعّاليّة الجموع لا تنضبان، وأنّ أيّ عوائق مُلقاة في طريقنا يُمكن تجاوزها عبر إنزال أعدادٍ كبيرةٍ للشوارع والساحات. وعلى الرّغم من أنّ تفاؤلًا ثوريًا كهذا يُدفئ القلب ويمكن تفهّمُه، لكنّه ليس رزينًا بما فيه الكفاية؛ ففي العام الماضي رأينا أيضًا حدود العفويّة. كان هناك شعارٌ أصدرته حركة «احتلّوا وول ستريت» ردًا على إخلاء متنزّه زوكوتي: «لا يمكنكم طرد فكرةٍ حان أوانها». كان شعارًا جميلًا وجريئًا، وقد كان فيه شيءٌ من الصحّة من ناحية أن المارد خرجَ من المصباح ولا تستطيع الطبقة الحاكمة إعادة الغطاء بسهولةٍ على الطبقة الغاضبة التي دخلتْ حيّز التركيز هذا العام. لكنّ القضيّة هي أن هذه الأفكار والعواطف لا بدّ أن يتمّ تحويلها نحو تنظيمٍ أقوى وأفعال ملموسة إذا ما أُريد لها الاستمرار في أن تَجِدَ تعبيرًا عنها وأن تنال أيّ مكاسب حقيقية.

عودة النّضال الجماهيريّ خلال السنة الفائتة هو تطوّرٌ مُرحّبٌ به. وفي الواقع، إنّي أجادلُ في كونه شرطًا مُسبقًا لإعادة بناء اليسار الحقيقي، لكنّها فقط بداية العمليّة. ما أريد الحديث عنه هنا هو أنّه من الخطأ وضع العفويّة والتنظيم كنقيضين. كلاهما عاملٌ مختلفٌ في العمليّة الثورية وهما يتواجدان في علاقةٍ جدليّةٍ ثابتة مع بعضهما. القدرة على إدراك هذه العلاقة والمهمّات الرئيسية في أي لحظة هو أكبر التحدّيات التي تواجه الثوريين.

لذا، وبعد قضاء كل هذا الوقت في الحديث عن دور النضالات العفويّة، أظنّ أن الأمر الأوّل الذي يجب ذكره هو أنّه لا وجود لشيءٍ كعفويّة مُطلقة. فإلى حدٍّ ما، هذه عبارةٌ تبيّن حقيقةً واضحة: لا بدّ لأحدٍ، أو لمجموعةٍ من الناس، من أن ينادوا لفعلٍ معيّن –حتى وإن كانت هذه الأفعال غير منظّمة نسبيًا أو تَبْرُز منفصلةً عن غيرها من القوى التّقليدية التي قد تكون أكبر منها. لكن هناك أمرٌ أكبر متضمّن في العبارة؛ فكما يقول الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي: «كل حركةٍ فيها عناصرُ قيادة واعية، وانضباط». أي، بعبارةٍ أخرى، يمكن القول أنّه لا يوجد حراكٌ دون قيادة. وهذا يصدقُ حتى وإنْ لم يعترف «القادة» بدورهم.

فعلى سبيل المثال، حركة «احتلّوا وول ستريت» لم تقرر «عفويًا» أن تتبنى الإجماع كهيكلٍ تنظيمي. كان هناك قادةٌ، أفرادٌ بعقودٍ من الخبرة السياسيّة، جادلوا بوعيٍ وتعمّدًا لهذه العمليّة في مقابل غيرها. اقتراحاتهم تعكس مجموعةً محددةً من الأفكار السياسية. ونتيجةً لخبراتهم وخلفيّتهم، فقد كان هناك أفرادٌ أصبحوا مدرِّبين للناشطين وكان لهم وقعٌ متباين حول شكل وطبيعة التجمّعات العامّة للحراك ككل. وللوقت الراهن، فأنا لا أعلّق حول ما إذا كان هذا الإسهامُ إيجابيًا أم سلبيًا؛ أنا أعترفُ فقط به كحقيقة. ويستحضرُ ذلك للذاكرة تأكيد غرامشي أنّه «حقيقةُ أن كل حراك عفويٍّ يحتوي عناصرًا ابتدائيّة للقيادة الواعية والتنظيم تتجلّى بشكلٍ غير مباشر في حقيقة أنه يوجد ميلٌ وجماعاتٌ ممن تتغنى بالعفويّة كمنهج».

وعلى كلّ حال، حين نبتعد قليلًا عن فكرة «العفويّة المُطلقة» بمعنى النضالات غير المُخططة وغير المنظّمة واللا-قياديّة، فهناك جوانب مهمّة يتوجّب علينا منها فهم العفويّة كظاهرة حقيقية. وفي الواقع – وبنواحٍ عدّة – يمكنك القول أنّ تعليل كارل ماركس للتغييرات الاجتماعية يرتكز على وجود العفويّة. يُجادل الماركسيون أن ظروفَ الرأسمالية، وبالتحديد ميلها لأن تدخل أزمات، تضمنُ أنّه سيكون هناك مقاومةٌ لها. لكن هذا لا يحدث بطريقةٌ متوقّعة أو جارية، بل يتجسّدُ في انفجاراتٍ دوريّة للنضال – وهي النقاط التي يتحوّل فيها الصراع الطبقي الجاري لصراعٍ مفتوح.

توقّع الوقت والمكان والحدث المُعيَّن الذي سيتسبب في ثورةٍ جماعيّة هو أمرٌ نادر إن لم يكنْ مستحيلًا. وغالبًا ما يتفاجأ حتّى منظّمو الأحداث التي تؤدي لانفجاراتٍ كهذه بتسارع الأحداث. ولمْ تكنْ يومًا الحالة أن انفجارًا نَجَمَ عن قوىً متعاكسةٍ تبني قوّتها تدريجيًا حتى تصل للنقطة التي تُمكنّها من استدعاء الجماهير للشوارع خلف شعاراتِ تلك القوى. وفي الواقع، فالمُحاولاتُ التي قد تفشل في حالةٍ ما ربّما تكون ناجحةً جدًا في حالات أخرى نظرًا لعوامل خارج إطار تحكّم القوى المُنظّمة أو الأفراد المشاركين.

ولأخذ مثالٍ قريب جدًا من خبرتي، فيمكن أن نُعاين التصاعد الدراماتيكي لـ«احتلال وول ستريت». فقبل الحراك بثلاثة شهور، كان هناك تخييمٌ مشابه في قاعة البلديّة، وقد أُطلق عليه «بلومبرغفل» (أي، «قرية بلومبرغ»). والليالي الأولى لكلا المخيّمين كانت متشابهة: جوٌّ احتفاليّ متكامل بحلقاتٍ طبليّة؛ عددٌ يتراوح بين ١ حتى ٢٠٠ شخص؛ مزيجٌ من الاشتراكيين والأناركيين والنقابيين وطلابٍ لا-منتمين وشبابٍ يافع؛ تجمّعُ عام في الهواء الطلق لمناقشة الخطط والأهداف؛ وتخييمٌ قانونيٌ – لكنّه مفتوح ومُتّحد – على عتبات النخب السلطوية. وعلى الرغم من ذلك، فبعد أسبوعٍ من بلومبرغفل كان واضحًا أنّه على الرغم من الوعود بالدّعم، إلا أن النقابات لن تقومَ بعمليّاتٍ تعبويّة أو تنضم إلى الحراك، ولم يكن هناك منضمّون جدد. تكوّنت شبكاتٌ تواصليّة مهمة، وبدأ مركزٌ من المنظّمين بالتكوّن، وكانت الشروط المُسبقة متواجدة، لكن النضال لم ينهضْ. تم إغلاق المُخيّم بعد عدة أسابيع من بدئه وتخفيضات الميزانيّة تمّ تمريرها. وعلى النّقيض من ذلك، فبعد أسابيع من التخييم في زوكوتي، أصبحت حركة احتلال وول ستريت جماهيريّة وتجذب الآلاف من الناس للنضال وحصلتْ على اهتمامٍ وطنيّ.

الفارق بين الحراكَيْن لم يكن أن المُنظّمين تمكنوا بطريقةٍ ما من حشد بضعةِ آلافٍ عبر التخطيط الصبور، وليس كونهم اخترعوا وسائل جديدة لكسر حواجز الخوف أو الهُجُوع لدى الناس. لكن بالطّبع فإن استهداف وول ستريت كان فارقًا مهمًا ووفّر فرصةً للحراك بأن يكون وطنيًا عوضًا عن التركيزِ على أمرٍ محليّ. لكنّ الفارق الرئيسي يكمن في سلسلة من العوامل المتزامنة التي مكّنت حركة «احتلّوا وول ستريت» من أن تكون شرارةً لكلّ المرارات المُتجمّعة والتي كانت تهيجُ تحت سطح المُجتمع الأمريكي. شرحُ ماهيّة هذه المرارات خارجٌ عن نطاق هذا الحديث. المغزى هي أنّها كانتْ غير متوقّعة ولم خارج تحكّم الجميع إلى حدٍّ كبير، ووقتما بدأت الحركة فسرعان ما كانت هناكَ ديناميكيّة متنامية وعفويّة فتحتْ فرصًا جديدة وتحدّياتٍ لم يكن المنظّمون قد ترقّبوها أو تأهّبوا لها مُسبقًا. ولقد رأينا ديناميكيّةً مشابهةً – ولو أنّها كانتْ بارزةً بشكلٍ أكبر – في مصر حين نظّم ناشطون مظاهرةً مُعتادةً ليوم الشرطة مما تسبب في بدء عمليّة ثوريّة في ٢٥ يناير ٢٠١١.

كيف نُفسّر هذا؟ كيف نُفسّر أن ما بدت كنضالاتٍ غير مُثمرةٍ أو مظاهراتٍ صغيرة مكوّنة من مئاتٍ أو أنّ سنينًا من العمل الصّبور المنظّم تؤدي فجأةً لثورةٍ كالعاصفة، ولأمثلةٍ من الإبداع الجماهيري وروح المبادرة وأفعال بطوليّة لا حصر لها سواءً كانت فرديّةً أو جماهيرية؟ ذلك له علاقةٌ بالطريقة التي تعملُ بها الرأسماليّة من أجل الحفاظ على استقرارٍ نسبيٍّ، وعلاقةٌ بما أسماه الثوريّ الروسي ليون تروتسكي «سيكولوجية الجماهير». فبينما كان ماركس مُحقًا حين وصف التاريخ أنّه «تاريخ صراع الطبقات، آنًا ظاهرٌ وآنًا مختفٍ»، فالقضيّةُ أيضًا أنّ الصراع لا بدّ أن يكون بطريقةٍ ما تحت السّيطرة أو يتمّ حلّه بالتسوية. وذلك ضروري للطبقة الحاكمة من أجل أن تُحافظ على درجةٍ ما من الاستقرار الاجتماعي؛ أما بالنسبة للطبقة العاملة والمظلومين، فالعيشُ في حالةٍ من التمرّد المستمر ضد النظام السائد سيكون أمرًا مستحيلًا ولا يطاق.

وبالنسبة لغالبيّة الناس في مُعظم الأوقات، فالمُعارضة أو الاستياء مضبوطان؛ يحاول النّاس توجيه أو تحويل سخطهم عبر وسائل مُتاحةٍ لهم ضمن الظروف الراهنة. لكن تناقضات وجَور نظامنا دَمَجَتهُم ضمن نسيج اللاوعي الجمعي؛ فهي تتجمّع، وبعدها تصلُ لنقطةٍ تُصبح معها لا تُطاق. حينها يُصبح الشّق في صرح النظام صدعًا يفتح آفاقًا جديدة. وهذا هو ما يُعطي النضال ميزةً انفجاريةً دراماتيكية.

يصفُ تروتسكي الديناميكيّة الثوريّة في كتابه «تاريخ الثورة الروسية»، وأعتقدُ أنّه يستحق الاقتباس كاملًا:

ديناميكيّة الأحداث الثورية تُحدّدها مباشرةً التغيّرات المباغتة والعنيفة والانفعاليّة في سيكولوجية الطبقات، هذه الطبقات التي كوّنت نفسها قبل الثورة…

المغزى هو أن المجتمع لا يغيّر مؤسساته حينما تستدعي الحاجة، مثلما يغيّر الميكانيكي أدواته. بل على النقيض من ذلك؛ فالمجتمع يرى المؤسسات الموجودة على أنّها ستكون متواجدةً دومًا. فلعقودٍ لم يكن النّقد المعارض أكثر من صمّام أمان لفكّ الاحتقان الشعبيّ أو أكثرَ من شرطٍ لاستقرار البناء الاجتماعي. ومن أجل تحرير السّخط من قيود المُحافظة[*] واجتذاب الجموع للانتفاض، فلا بدّ من وجود شروطٍ استثنائيةٍ منفصلةٍ عن رغبة الأفراد والأحزاب.

التغييرات السريعة لآراء ومزاج الجماهير في حقبة الثورة إذن مُستمدّة ليس من مرونة وحركيّة عقل الإنسان، بل من نقيضها؛ أي مُحافظته العميقة. في وقت الثورةِ هُناك قفزة في حركة للأفكار والانفعالات التي تبدو للعقل المحقّق أنّها نتيجة لأنشطة «الديماغوجيين»، لكنّ ما يصنُعها هو التأخّر الزمني للأفكار والعلاقات عن الظروف الموضوعيّة الجديدة حتّى اللحظة التي تنهارُ فيها هذه الظروف على النّاس على شكل كارثة. (توكيد مُضاف)

وتستنبطُ روزا لوكسمبورغ نُقطةً مشابهة في وصفها لحركة الإضراب الجماعي في روسيا. ففي وصفها لأولى اندلاعات الإضرابات كَتَبَتْ:

لكنّ هذا الفعل المُباشر العامّ تسبب في ردّة فعل باطنيّة قويّة لأنه تسبب للمرة الأولى في إيقاظ الشعور الطبقي والوعي الطبقيّ لملايينٍ فوقها ملايين كما لو أنّه صعقةٌ كهربائية. وهذا الاستيقاظ للشعور الطبقيّ عبّر عن نفسه على الفور في الظروف التي بدأت فيها ملايين الجماهير البروليتاريّة بشكلٍ مفاجئ وحاد إدراك مقدار قساوة الوجود الاجتماعي والاقتصادي الذي تحمّلته لعقودٍ في قيود الرأسماليّة وكيف أنّ العيش فيها لا تطاق. وعند ذلك، فقد بدأتْ زلزلةٌ وكسرٌ عفويّان لتلك القيود. وكل العذابات التي لا تحصى للبروليتارية الحديثة ذكّرتهم بالجروح النازفة القديمة.

لا يمكن لهذه العمليّة – كما عبّرت عنها لوكسمبورغ – أن تُحسمَ بِمُجرّد وضعها كتاريخ في التقويم. ولا يُمكن أن تحدّدها منظّمة ما. ولا يُمكن أن تُستدعى عبر تكتيكاتٍ مُعيّنة بغض النظر عن مدى العبقريّة والإبداع فيها.

ولكن ذلك لا يعني أنّه لا يمكن فعل أي شيء في ظل غياب الثورات الجماهيريّة – أي أننا نُكتّف ذراعنا وننتظر أن يثورَ الناس بعفويّة. فلو كُنا قادرين على ترجمة إيقاع النضال إلى صورة مرئيّة ثم النّظر إليها عن بُعد، فهي ستبدو كأنّها خطٌّ طويلٌ مُسطّح مع وجود انحناءاتٍ مفاجئة وحادّة للأعلى. بعبارةٍ أُخرى، سنرى التاريخ على أنّه فتراتٌ طويلةٌ من الهدوء تتخللها انفجاراتٌ هائلة للنضال. لكن إذا ما اقْتَرَبْت، ستجد أن هناك عمليّةً مُستمرّةً حاضرة: فهناك نضالاتٌ صغيرة غالبًا ما تنتهي بالهزيمة، لكنّها تنتهي أيضًا بانتصاراتٍ صغيرة؛ ويبدأ الحوار بالتطوّر بين شبكات الناشطين والمُنظّمين؛ وتتكوّن المُنظّمات وتنهار وتُنشَأ مُنظّماتٍ جديدة. ففي مفهومٍ مُعيّن، هُناك نشاطٌ لا يتوقف.

حين تكون في وسط هذا النشاط يكونُ من الصعب إدراك كل ما يعنيه. وهذا ليس قُصورًا سياسيًا أو عقليًا من قِبَل المُشاركين. بل هو تأمّلٌ لحقيقة أنّ كل هذه العوامل التي تتكوّن في نشاطٍ مُعيّن لا تتجمّع وتتخذ شكلًا مُحددًا حتى يبرز النّضال على مراحل أعلى. لكن على الرّغم من ذلك، فالتنظيمُ الحاصل في فترات الهدوء ضروريّ؛ فسواءً بشكلٍ كبيرٍ أو صغير، فطبيعةُ النضال الجماهيريّ الذي يبرز يتشكّل غالبًا عن طريق ما يسبقه.

ومن خلال سلسلةٍ من المعارك الصغيرة، فإن عناصر القيادة تبدأ بالتشكّل، والسياسات المُختلفة تبدأ بالبروز، وتبدأ تكتيكاتٌ ورموزٌ ومحاور مُعيّنة بالتطوّر مُتخذةً أصداء. تتشكّل شبكات التواصل، وأحيانًا تندثر ثمّ تظهر مجددًا حين يتطوّر الصراع لمراحل حادّة. ففي المرحلة الأبسط، هناك أفرادٌ يُطوّرون خبرةً وسياساتٍ ويتعلّمون دروسًا منها ويتمكّنون من إعطاء هذه الدروس لمن حولهم.

في مقالٍ بعنوان «النظريّة اللينينيّة في التنظيم»، يُعبّر الاشتراكي إيرنست ماندل عن هذه النقطة بوضوح:

اكشطْ سطح أي «حراكٍ عفويٍ» ظاهريًا وستجدْ بقايا قشورٍ حمراء باهرة. هنا فردٌ من جماعة «الطليعة» يُشعل إضرابًا «عفويًّا». هناك عضوٌ سابقٌ ذو انتماءاتٍ «يساريّة منحرفة»، وعلى الرّغم من أنهُ ترك يساريّته إلا أنّه امتلكَ عتادًا عقليًّا يُمكّنه من التصرّف بسرعة البرق في أي وضعٍ انفجاريّ بينما الجموع المجهولة لا تزالُ مترددة.

ففي حالةٍ ما، سنتمكّن في الفعل «العفويَ» من رصد «النشاط السرّي» من قِبَل نقابات عمّالٍ مُعارضة أو مجموعةٍ من المناضلين؛ وفي حالةٍ أخرى، فإنّ التواصل الذي غُذّيَ بصبرٍ على فترةٍ طويلة من قبل الرفاق في مدينةٍ مجاورة (أو مصنعٍ مجاور) حيثما كان «اليساريّون» أقوياء. ففي صراع الطبقات، لا يوجدُ هناكَ شيءٌ كإوزّة تسقطُ «عفويًّا» من السماءِ مطبوخةً بشكلٍ كامل.

نستطيعُ أن نفحصَ أيّ مثالٍ ذكرته أعلاه لحراكٍ جماهيريّ عفويّ وأن نُميّزَ عناصر القيادة والنضالات الصّغيرة التي ساعدت في إعداد الساحة وتشكيل الانفجارات. ففي مصر، الثّورة التي بدا أنها جاءت من العدم كانت في الواقع مسبوقةً بست سنواتٍ من النمو الملحوظ في النضال. كلا الحراكين الدّيموقراطي من جهة وازدياد حركة الإضرابات من جهةٍ أخرى ساعدا في جذب الناشطين معًا واختراق التابوهات السّياسية السابقة وإعداد السّاحة لتنظيمٍ أكبر.

وفي قلب الإضراب الطلابيّ المذهل في كيبيك فإنّ المنظّمات كانت تتهيأ لهذه اللحظة منذ أربعين سنة. وفي مركز التخطيط لحركة «احتلّوا وول ستريت» فقد كان هناك ناشطون يساريّون وعمّاليون واجتماعيّون عملوا معًا للقتال ضد التخفيضات في الميزانية منذ ٢٠٠٨.

وفي نفس الوقت، وفي سياقٍ أكبر، يجب أن نفهم أن الثورات التي نشهدها اليوم تتشكّل خلال سياق الخمس وثلاثين سنة الأخيرة. فهذه هي السنين التي كانت فيها الطبقة العاملة في تراجُع، وكانت مرحلةُ الصراع الطبقيّ مُنخفضة، وهي مرحلةٌ رأينا فيها هزائم أكثر من الانتصارات. وهي أيضًا الفترة التي لاحظنا فيها صعودًا للنيوليبرالية؛ وهي منظومةٌ اقتصاديّة صعّدت إيديولوجيا الرّوح الفردانيّة ضدّ العمل الجمعي.

وبشكلٍ مهم، فإن سقوط الستالينيّة – بينما كانتْ تمهّد الطريق لإعادة اكتشاف تقاليد اشتراكيّة حقيقيّة من الأسفل – يعني أنّ اليسار الثوريّ ضعيفٌ جدًّا. كل ذلك يساعد في شرح سيطرة الأفكار الأناركيّة وسيطرة الشكوك حول المنظّمات والأحزاب السياسية في هذه المرحلة من الحراك.

على كل حال، فإن أحد ميزات الثورة الجماهيرية أنّها تستقطب العناصر المذكورة سابقًا مع قوى جديدة. وهي تطرح في نفس الوقت أسئلةً جديدة – أسئلة لم يمكن طرحُها سابقًا – فاتحةً بذلك إمكانيّاتٍ جديدة. التنظيماتُ وشبكاتُ المناضلين والمناضلات التي بُنيت خلال تلك الثورات مُسبقًا لها أهميّةٌ حاسمة، لكن يستوجب عليها أن ترتقيَ للإمكانيّات الجديدة وتُحاول قيادتها.

هذه الثورات الجماهيرية تُمثّل مرحلة جديدةً مصيريّة في الصراع؛ فهنا أناسٌ غيرُ واعين (unconscious) يبدؤون بالنشاط. وكما تقول لوكسمبورغ بوصفٍ جميل: «غير الواعي يأتي قِبال الواعي. منطقُ العمليّة التاريخيّة يأتي قِبال المنطق الشخصيّ للأفراد المشاركين في العمليّة التاريخية». وهذا النضالات العفويّة أبعد ما تكون عن جعل المنظّمات من غير مغزى، فهي تجعلها أكثرَ أهميّة: فهي تُشكّل بداية عمليّةٍ حيثُ يُمكن لغالبيّة الطبقة العاملة أن تكونَ واعيةً بظروفها ووضعها، وأن تكونَ واعيةً بكلّ القوى المصطفّة ضدّها، وتكون واعيةً بقوّتها الجماعيّة، وتستطيعُ أن تحقق وحدةً قتاليّة في صفوفها وانتظامًا جماعيًّا يجعلُ استيلاءها على السلطة ممكنًا. هذه هي العمليّة التي تُحوّل فيها طبقةٌ ما نفسها، كما يقول ماركس، من طبقةٍ بحدّ ذاتها لطبقةٍ من أجل ذاتها. وكما يقول لينين، فالعفويّة «بشكلٍ أساسي ليست أكثر من تمظهر الوعي في مراحل نموّه الأولى».

توجدُ بين العفويّة والتنظيم وهذا الوعي المتطوّر علاقةٌ ديالكتيكية ومُتبادلة؛ جميع جوانب هذه العلاقة لا بُدّ أن تُدرك بالكامل.

حين تندلعُ النضالات العفويّة فإنها تفتح آفاقًا غير مرئية سابقًا وتُبرز الطاقات والإبداعات والمواهب المكنونة للناس العاديين. وقد تَمَكّنا من مشاهدة هذه العملية في الثورة المصريّة، حيث بدأ المئاتُ والآلاف من الناس حرفيًّا بمواجهة التحدّيات السياسيّة الكبرى بالإضافة للمشاركة في الحياة السياسية. وحين حاول النظام قمع الثورة في «موقعة الجمل» فإن النّاس ردّت بقوّة مُذهلة عن طريق صنع حواجز وعيادات ونقاط تفتيش مؤقتة بل وأكثر من ذلك، فالاسترجال كان سيّد الموقف.

وقد جرّبتُ ذلك شخصيًّا في النهوض الدراماتيكي لحركة «احتلّوا وول ستريت». ففي وقتٍ بسيط نَمَا هذا الحراك بشكلٍ أكبر ممن بدأوه؛ فالجماعات النشطة انتشرت كل يوم، والجماعات المُختلفة من الأفراد نظّمت نفسها للضغط بمطالباتها، وقد أخذ الناس فكرة «الاحتلال» وطبّقوها بسُبُلٍ متنوّعة وإبداعيّة. ولن أنسى عمل يوم ١٥ أكتوبر في التايم سكوير – كانت مظاهرةً لم يدعُ لها أي منشورٍ من أجل الدعاية لها، ومع ذلك فإن ١٠٠ ألف من الناس انسابت للشوارع متحدّيةً كل التوقعات.

هذه الانتفاضات العناصريّة لطبقةٍ اجتماعيّة بدأت بالتحرّك. هذا شريان حياة أي رؤيةٍ للتغيير الثوري، فبدونِه تصبح النظريّة الثورية عقيمة أو مشلولة. ولهذا السبب فخوف واشتباه الثوريّين المنظّمين من انبثاق الصراعات العفويّة أمرٌ يدعو للضحك؛ هذا ما نعيشُ من أجله. ما يفعله الصراع العفويّ هو أنّه يطرح سؤال تنظيم لمستوى أعلى؛ فهو يزيد الحاجة للسياسات والتنظيم. وهذا شيءٌ يفهمه الناسُ غريزيًّا. ففي كتابها «الإضراب الجماعي»، تصفُ روزا لوكسمبورغ كيف مهّدت النضالات طريقًا لمبادراتٍ تنظيميّة: «فالإضراباتُ “الفوضويّة” ظاهريًّا والأعمال الثوريّة “غير المنظّمة” بعد الإضراب العام في يناير بدأت تُصبح نقطة بدايةٍ لعمل محمومٍ من التنظيم».

تُطرح الأفكار الجديدة — أفكار لا بدّ من تطويرها وتوضيحها وبلورتها في شكلٍ تنظيمي. مجددًا، فإن روزا لوكسمبورغ تصوغُ نُقطة أنّ «أغلى الأمور وأكثرها رسوخًا في المدّ والجزر الحثيث للمَوْجَة هو ترسّباته العقليّة؛ أي النمو العقليّ والثقافيّ للطبقة الكادحة والذي يتقدّم بشكلٍ غير منتظم». وكما يستبطن هذا الاقتباس، فليس هناك أي شيءٍ تلقائيٍّ أو خطّي في هذه العمليّة. فحين يبدأ الناس بالاتجاه نحو صراعٍ مفتوحٍ مع النظام الراهن، تُطرحُ أسئلةٌ جديدة. ووظيفة الثوريين هي ألّا يتخلّفوا عن الأحداث. تصفُ لوكسمبورغ كيف أن الثوريين المُنظّمين يجب أن يحاولوا باستمرار رفع النضال نحو مرحلةٍ أعلى:

في كل مرحلة وكل جانب من النضال، فإن مجموع القوّة المتوفّرة للطبقة الكادحة الذي تمّ إطلاق العنان له يجبُ تحريكه والتعبير عنه في الموقف القتالي للحزب. تكتيكات الديموقراطيّة الاشتراكيّة لا بدّ أن تكون دائمًا أكثر حزمًا ونشاطًا مما تطلبُه علاقات القوّة الراهنة، وألّا تكونَ أقل من ذلك أبدًا.

ويُعبّر لينين عن فكرةٍ مشابهة في منشوره «ما العمل؟»:

الأمر الملتبس هو: كيف يفهمُ الفرد عبارة أن الطبقة العاملة الجماهيرية «ستحدد مهمّاتها»؟ يُمكن تفسيرها بطريقةٍ من اثنتين: فهي إما تعني الخضوع لعفويّة الحراك، أو أنها تعني أن الحراك الجماهيريّ يضعُ نصب عيوننا مهمّاتٍ نظريّة وسياسية وتنظيمية أكثر تعقيدًا مما كان يُرضينا مُسبقًا في الفترة قبل نهوض الحركة الجماهيرية.

ويبدو غنيًّا عن القول أنّ لينين سيُجادل من أجل التفسير الثاني. لكن لِمَ ليس من الكافي أن نقول أنّ الحركة الجماهيرية ستقرر وتحلّ بنفسها تلك المهمّات؟ لم لا بدّ من وجود تدخّل واعٍ؟ هذا الأمر يتعلّق بديناميكيّة الثورة، والتي يجبُ أن يُنظر إليها لا باعتبارها حدثًا واحدًا بل باعتبارها عمليّة. يصفُ تروتسكي هذه الديناميكيّة بروعة:

تذهبُ الجماهير لثورةٍ ليس بخطّة مسبقة التحضير لإعادة بناء المجتمع، بل بشعورٍ حادٍّ أنّهم لا يتحمّلون النظام القديم. وحدها الشرائح المُرشِدة للطبقة تمتلكُ برنامجًا سياسيًّا، وحتى هذا يتطلّب امتحان الأحداث وموافقة الجماهير. فالعمليّة السياسيّة الأساسيّة للثورة تتكوّن إذن في الفهم التدريجي من قِبَل الطبقة للمشاكل المُنبثقة من الأزمة الاجتماعية – أي التوجيه الفعّال للجماهير عبر أسلوب التّقديرات المُتعاقبة.

حين تبدأ أعدادٌ كبيرةٌ من الناس بالنشاط، فإنّ أوّل المتفاجئين ليسوا أولئك الذي ناضلوا زمنًا طويلًا، بل همُ الحكّام الغافلون؛ فالطبقة الحاكمةُ أقنعتْ نفسها بكونِ المقاومة مستحيلة، بعكس الثوريين المُتنبئين بالثّورات ومتأهّبين لها بشكلٍ كامل. في هذه الحالة يمكن أن تهتزّ الطبقة الحاكمة وتفقدُ استقرارها وأن تُوضعَ في موقفٍ دفاعيّ. وفي نفس الوقت وفي علاقةٍ مُتبادلة، فالجماهير المُعبّأة تستمدّ قوّتها وثقتها فجأةً وتتمكّن من التقدّم بسرعة. ويكونُ هنالك حسٌّ من الوحدة وقوّة عزمٍ يستطيعان ولو بشكلٍ مؤقت أن يُغطّيان التناقضات المبطّنة في الحراك.

هذا غالبًا ما يُميّز ما يسمّيه ماركس «الثورة الجميلة» – أي اللحظات الأولية للثورة والتي يبدو أنها توحّد غالبيّة المجتمع في النضال ضد النظام القديم. وهذا هو ما رأيناه بشكلٍ دراماتيكيّ حين سقط حسني مبارك – فلوهلةٍ بدا أنّ المجتمع بالكامل كان مُتحدًا وراء شعارٍ بسيط: «الشعب يريد إسقاط النظام». حسّ الوحدة تمّ التعبير عنه في شعارات غالِبة أخرى في تلك المرحلة من الثورة: «الشعب والجيش إيد واحدة». لكن كما رأينا، فإن النظام القديم لم يستسلم ببساطة؛ فحالما استعاد ثقته بدأ بالمناورة ومحاولة اكتشاف كيفيّة التأقلم، بل وربما توظيف «الإصلاح من الأعلى» من أجل درء أي تهديداتٍ أخرى لمكانة النظام. فالنظام يستجدي التحالف مع أولئك الذين لديهم مصداقيّة بين الجماهير. والرغبة بإلغاء جميع المُكتسبات التي أحرزها النضال دائمًا موجودة وتنتظر بخفّة حتى تجد الطبقات الحاكمة الفرصة المناسبة للقيام بذلك.

في الوقت ذاته، فعمليّة التفريق لا بد أن تجد لنفسها مكانًا في المعارضة. فوقتما تبدأ الموجة الأولية للثورة بالانحسار، فإن بعض الأفراد يتراجعون لعادات وروتينيات الماضي؛ يُصبح الآخرون ناشطين، لكنّهم يتوجهون للمنظّمات الإصلاحية كالنقابات والأحزاب الإصلاحيّة أو قوى المعارضة السابقة؛ لكن البعض الآخر يقتنعون بالحاجة إلى تحوّل ثوريٍّ شامل. القول بأنّ الطبقة العاملة تنجذبُ بعفويّة نحو السياسة الثوريّة الاشتراكيّة غير صحيحٍ إلا في سياقٍ عامٍّ جدًا. فكما يقول لينين: «النظرية الاشتراكيّة تكشف أسباب بؤس الطبقة العاملة بشكلٍ أبلغَ وأصحّ من أي نظريةٍ أخرى، ولهذا السبب يتمكّن العمّال من الانخراط فيها بسهولة».

لكن على كل حال، فأفكار الناس لا تتطور في الفراغ؛ فهي تتشكل وتتأثر بالظروف الراهنة والبدائل المعروضة. هناك قصّة رائعة في تقرير جون ريد الرائع عن الثورة الروسيّة والمُعنون بـ«عشرة أيام هزّت العالم»، حيث يصف مواجهةً بين جنديّ بلشفي وطالب يدّعي أنه ماركسيّ معارض للثورة. ولأنّ القصّة رائعة فسأقتبسُ الفقرة كاملة:

«أنت تُدركُ، كما أفترض» قال بعجرفة، «أنّكم بحمل السّلاح في وجوه أشقّائكم إنما تجعلون أنفُسكم أدواتٍ بأيدي القتلة والخونة؟»

«اسمعني يا أخي»، ردّ الجندي بودّ، «أنت لا تفهم. ألا ترى أنّ هناك طبقتان، البروليتاريا والبرجوازيّة. نحن….»

«أوه، أعرفُ هذا الكلام السخيف!» تدخّل الطالبُ بوقاحة. «جمعٌ من الفلّاحين الجهلة أمثالك يسمعون شخصًا ما يصيحُ ببضع كلماتٍ جذّابة. أنت لا تفهم ما تعنيه الكلمات. أنت تُرددها فقط كالكثير من الببغاوات». ضحك الحشد. «أنا طالب ماركسي. وأقول لك أنّ هذه ليست هي الاشتراكية التي نُقاتل من أجلها. فهي مجرد أناركية مُساندة للألمان!»

«أوه نعم، أعلم ذلك،» ردّ الجندي والعرق يتصبب من حاجبه. «أنت رجلُ متعلّم، ومن السهل ملاحظة ذلك، وأنا مُجرّد رجل بسيط. لكن يبدو لي…»

«أفترضُ» قاطَعَ الآخر بازدراء، «أنّك تعتقد أن لينين صديقٌ حقيقي للبروليتاريا؟»

«نعم، أعتقدُ ذلك»، ردّ الجندي بحرقة.

«إذن يا صديقي، هل تعلمُ أن لينين أتى عبر ألمانيا في قطارٍ مُغلق؟ هل تعلمُ أن لينين تسلّمَ أموالًا من الألمانيين؟»

«في الواقع لا أعرف الكثير عن ذلك»، ردّ الجندي بعناد، «لكن يبدو لي أن ما يقولهُ هو ما أودّ سماعه أنا وغيري من البسطاء. هناك طبقتان، البرجوازية والبروليتاريا…»

«أنت أحمق! يا صديقي، قضيتُ عامين في شليسلبورغ لأجل النشاط الثوري بينما كُنتَ أنت تقتنصُ الثوّار مُغنّيًا (حفظ الله القيصر)! اسمي فاسيلي جورجيفيتش بانيين. ألم تسمع بي؟»

«أأسف للقول أنّي لم أسمع بك»، ردّ الجندي بخضوع. «لكن مُجددًا، أنا غير متعلّم. ربما أنت بطل عظيم».

«أنا كذلك»، ردّ الطالب عن قناعة. «وأنا مُعارض للبلاشفة الذين يُدمّرون روسيا وثورتنا الحرة. كيف تبرّر ذلك؟»

حكّ الجندي رأسه. «لا أستطيع التبرير لكلّ شيء»، قال وهو عابسٌ بسبب آلام نشاطه الفكريّ. «بالنسبة لي يبدو الأمر بسيطًا – لكن مُجددًا، أنا لست مُتعلمًا جيّدًا. يبدو لي أنّ هناك طبقتان؛ البروليتاريا والبرجوازيّة…»

«ها هو يُعاود مجددًا هذه الصّيغة السخيفة!» صرخ الطالب.

«…. طبقتان فقط»، واصل الجندي بإصرار. «وكلّ من لا ينتمي لجانب، فهو ينتمي للآخر…»

لطالما أحببتُ هذه القصة لأنها تُعبّر عن حقيقة بسيطةٍ وتوضيحية: هناك طبقتان ضخمتان، وإذا لم تكُن في إحداهما فستكون في الأخرى. ولكن نادرًا ما يُنظّم الصراع الطبقي نفسه بطريقةٍ يكون فيها الحكّام الحاليّون والمُتطفّلون عليهم مصطفّين في جهة والطبقة الكادحة والمظلومون مصطفّون في الجهة الأخرى بانقسامٍ واضح. ولو نظّم الصراع الطبقيّ نفسه كذلك، فلربّما يكون الصراع العفويّ كافيًا وتكون الثورةُ أمرًا سهلًا نسبيًّا. وفي الواقع، فإيديولوجيا البرجوازيّة – أو الطبقة الحاكمة – تفرضُ نفسها بطرقٍ متعددة، ويتم إيصالُها عبر امتدادٍ من المؤسسات، والعديد من تلك المؤسسات ينمو عبر الصّراع نفسه؛ سوى أنّها مُلتزمة بالعمل ضمن إطار النظام القائم. ومن الأمثلة على هذه المؤسسات: النقابات الحرفيّة وأحزاب الإصلاح وغيرها من الأحزاب المُعارضة.

قدرة الإيديولوجيا البرجوازية على ألّا تظهر كقوّةٍ مُعادية ومُعارضة للطبقة العاملة (بل على الظّهور كأنها إحدى تنظيمات الطبقة العاملة) هو ما دفع لينين للقول بأن «الطبقة العاملة تنجذبُ عفويًا للاشتراكية؛ ومع ذلك فإن الإيديولوجيا البرجوازيّة الأكثر انتشارًا (والتي يتم إحياؤها باستمرار وبتنوّع) تفرضُ نفسها عفويًا على الطبقة العاملة بدرجةٍ أكبر». والانتفاضاتُ الثورية أبعد ما تكون عن إلغاء هذه المؤسسات، بل هي تميل إلى جلب شرائح جديدة لصفوفها. كانت هذه نقطة ضعف روزا لوكسمبورغ. فكعضوٍة في المثال الرئيسي لمثل هذا التنظيم، ألا وهو الحزب الاشتراكي الديموقراطي الألماني، رأتْ النّضال العفويّ كأمرٍ يتجاوز مُحافظة النقابات العمّالية والأحزاب الإصلاحية. وقد كتبتْ: «القادة الذين يتخلّفون سيتمّ سيُستبعدون من قبل الجماهير العاصفة».

وللأسف، فقد أثبتت التجارب المؤلمة أنّ هذا المنظور خاطئ؛ وفي الواقع، إن هذه التنظيمات غالبًا ما تكون المستفيد الأوّل من الصراع. والسبب يرجعُ لنقطة تروتسكي القائلة أنّه في الصراع تتخطّى أفعال الناس أفكارَهم. وللوهلة الأولى، فإن السواد الأكبر من الناس سيتطلّع لهذه المنظّمات والمؤسسات التي لعبتْ أو بدا أنها تلعبُ دورًا مُعارضًا من داخل النظام. سينجذبون نحو من يعرضُ ما يبدو أنّه أكثر الوسائل سلميّةً وسُرعةً لإرضاء حاجاتهم العاجلة. فعلى سبيل المثال، كان الإخوان المسلمون المستفيد الأساسي في مصر من الانتفاضة الثوريّة لأنّهم أرسوا جذورًا وتأثيرًا عبر عقودٍ من الزمان على أنّهم جماعةٌ معارضة من داخل النظام الموجود. وقد استفادوا من الانتفاضة بغضّ النظر عن كونهم لم يبدؤوها ولم يكونوا قادتها، وبغضّ النظر أيضًا عن أنّ سياساتهم لا تعكسُ التطلّعات أو المصالح الطبقية لغالبيّة المصريين، بل إنّ سياساتهم في الوقع معارضة لتلك التطلعات والمصالح.

ستُحاول الطبقة الحاكمة أن تستخدم منظّماتٍ ومؤسساتٍ كهذه لإعادة فرض سيطرتها وإعادة توجيه حالة السخط للنظام القائم. وقد رأينا ذلك بشكلٍ مُصغّر في النضال ضدّ المُحافظ سكوت ووكر في وسكونسون. فقد تحرّك الناس للنضال سريعًا، وكانت مرحلةُ التنظيم الذاتي والمُبادرة مُلهمةً بحق. لكن النقابات كانت القوّة الأكثر تنظيمًا وقدرةً على قيادة النضال، وقد قادوه بعيدًا عن المواجهة المُباشرة ونحو إعادة الانتخابات. أي أنّ النقابات قامت بصرف النّاس ووضع الصراع مجددًا في المناطق التي تُعطي الأفضليّة للطبقة الحاكمة، وقادته بعيدًا عن المناطق التي تستمدّ منها الطبقة العاملة قوّتها. والقوى اليسارية لم تكن قويّةً أو متطوّرةً بالشكل الكافي الذي يُمكّنها من فرض قيادةٍ بديلةٍ فعّالة.

في مصر، لم تكن الثورةُ موجهةً بكُره الديكتاتورية وحسب، بل بسبب الضغائن الطبقيّة المتطرفة التي صنعتها الدكتاتورية أيضًا؛ ومع ذلك، فإن المجلس العسكري والبرلمان ذو السيطرة الإخوانية نجحا في المناداة بوحدةٍ وطنيّة والدفاع عن الثورة بحجّة أن مطالب الطبقة العاملة كانت «ضيقة الأفق» و «مقطعيّة». ولهذا فبينما يمكننا الحديث عن الانفجارات الجماهيرية العفويّة والترحيب بها، فإن الحديث عن العفويّة كمنهجية أو استراتيجية أمرٌ غير معقول. في المجال التطبيقي، هذا يعني التنازل عن القيادة السياسية لصالح القوى الطبقية المُعارضة. يمثّل النضال العفوي في الواقع نقطة انطلاقٍ يُمكن للجماهير أن تبدأ منها عمليّة التوعية بمصالحها وقوّتها. لكنّ هذه ليست عمليّةً خطّيّة، بل هي عمليةٌ تُحاول الطبقة الحاكمة التدخّل فيها ومواجهتها من أجل الدفاع عن مصالحها، وتقوم بذلك عبر توظيف كل الوسائل المُتاحة لها.

وهي أيضًا ليست عمليّة ثابتة. المنظّمات القائمة تمّ اختبارُها، والصراع يكون سلسًا حين يُجرّب الناس استراتيجياتٍ مُختلفة ويتعلمون دروسًا ويتراجعون ثم يمضون قُدُمًا مُجددًا باحثين عن منظّمات وبدائل تعكس تطلّعاتها العميقة. لكن أيًا من ذلك لا يحصل بشكل تلقائي. ربّما تكونُ المنظّمات القائمة قد تمّ اختبارُها واكتُشف عدم كفئها، لكنّ ذلك لا يعني أن الناس ستتبنى وقتها شعاراتٍ ومناهج ومنظّمات جديدة وثوريةً بشكل أكبر. وإذا لم يُوجد أي بديلٍ موثوق به، فمن الممكن للناس أن تتراجع نحو اليأس أو الفتور. وظيفة المنظّمات الثورية هي أن تخلق أساسها على الانتفاضات الجماهيرية العفويّة، وأن تندمج معها، وأن تطوّر أفضل جوانبها، بحيث ينتجُ عن ذلك أنها تطوّر فهمًا واعيًا للتطلعات المُستترة في تلك الأفعال وتبلورها في المنظّمات التي تستطيع توفير بدائل متينة حين يبدأ الناس بفهم العالم من حولهم وموقعهم فيه.

هذا هو المعنى الحقيقي لعبارة لينين أن «حقيقة أنّ الجماهير تدخل الحراك عفويًّا لا يجعل تنظيم الصراع أقل ضرورة. بل على العكس، فهي تجعله أكثر أهمّية».

ولذا، أودّ العودة لجندينا البلشفي: ما يبدو أنّه عبارة بسيطة «أن هناك طبقتان إن لم تكن في إحداها كنت في الأخرى» هي في الواقع إنجازٌ تنظيري وتنظيمي أساسي. ثقة الجندي ووضوحه التي عبّر عنها بعد ثلاثة أيام من ثورة أكتوبر، تمثّل قدرة الحزب البلشفي عبر فترةٍ من الصراع والجدل الصبور للتصدّي لكل المحاولات التي تهدف لإعادة النبضات الثوريّة للجماهير الروسيّة لإطار النظام القائم. فقد تمكّن الحزب من عرض إطار بديل بناءً على نشاط الطبقة العاملة الذاتي وكسب غالبية الطبقة العاملة إلى فهمٍ واعٍ لذاتها كقائدةٍ لكل المُستغَلّين والمُضطهَدين والمحرومين.

هذا الفهم تم الفوز به بصعوبة بناءً على الحقائق التي تمّ تعلّمُها بناءً على تجارب ذاتية مريرة؛ لكنّ ذلك لم يكن ممكنًا بدون حزبٍ أسس نفسهُ على الصراع العفوي للعمّال بينما يُحاول بشكلٍ متزامن في كل منعطف إعطاء تعبير واعٍ للتطلعات العميقة المستترة في كل نضالٍ مُشابه. وقد قالها الاشتراكي الهنغاري جورج لوكاكس بشكلٍ مُختصرٍ وبليغ: «لا بدّ على الحزب أن يغوص بنفسه في الحراك الجماهيري العفويّ ورفعه من أعماق الضرورة الاقتصادية، حيث تَكوّن، لأعلى درجات العمل الحرّ والواعي. وفي القيام بذلك، سيحوّل الحزب نفسه في لحظة انفجار الثورة من حزبٍ يضع المطالب، إلى حزبٍ يفرض واقعًا فعليًا».

وهذا هو السؤال حقًا. سواء كان الناس قادرون على المقاومة، سواء كانوا سيناضلون بعفوية، أو ما إذا كانوا قادرين على الإقدام بأفعال بطولية والتضحية والابتكار، هي أمورٌ خارج التساؤل. حتى إذا ما فقد جيلٌ التبصّر بهذه الإمكانيات، فأحداث العام الماضي أحضرتها لمقدّمة اهتمامنا. السؤال هو ما إذا كنّا قادرين على فرض واقع فعّال – فيما إذا كان تنظيم الطبقة العاملة الضروري متغلغلًا في هذه النضالات وواعيًا بأهدافه وفاهمًا للقوى المصطفّة ضده، قادرًا على الكفاح من أجل السلطة بنجاح. طرحت النضالات التي شهدناها السؤال حول هذه السلطة، لكنّه يبقى بلا جواب. ولهؤلاء منا الذين يريدون الذهاب أبعد من تحدّي النظام الغاشم والهمجيّ واستبداله بنظامٍ مبني على التضامن والإبداع، نظامٍ مبنيٍّ على كل الطاقات الإنسانية الكامنة التي شهدناها خلال العام الماضي، فهذه هي المهمة. وهي بلا شكّ ليست سهلة أو مضمونة، لكنّها الطريق الأوحد للمضيّ قُدُمًا.