زيارة جديدة إلى “مزرعة الحيوانات” ـ چون مولينو

Posted: 11 نوفمبر 2014 in مختارات أدبية, مختارات سياسية
الوسوم:, , , , , ,
 چون مولينو
ترجمة وتقديم: خليل كلفت

تقديم

تطرد حيوانات إحدى المزارع صاحبها وتستولى عليها وتديرها بنفسها. تنجح التجربة تماما، رغم الواقع غير السعيد المتمثل فى أنه لابد من أن يحل شخص ما محل صاحب المزرعة المخلوع. وتنتقل القيادة آليا تقريبا إلى الخنازير، التى تتمتع بمستوى ذكاء أعلى من بقية الحيوانات. ولسوء الحظ لا يرقى مستوى خلق الحيوانات إلى مستوى ذكائها، ومن هذا الواقع ينبع التطور الرئيسى للقصة. ويأتى الفصل الأخير بتغير مثير يتضح، بمجرد وقوعه، أنه كان حتميا منذ البداية.

هذا ما تكرر نشره على الغلاف الداخلى لطبعات بنجوين الإنجليزية للراوية الشهيرة “مزرعة الحيوانات” للكاتب البريطانى الشهير چورچ أورويل (واسمه الحقيقى إريك بليز) 1903-1950. وأنا لا أنقله لتذكير القارئ بالفكرة العامة لتلك القصة الرمزية، ذلك أن لها ثلاث ترجمات على الأقل إلى العربية فى مصر:

• أسطورة الحيوانات الثائرة، ترجمة عباس حافظ، دار المعارف بمصر، 1951.

• مزرعة الحيوانات، عرض وتقديم عبد الحميد الكاتب، مؤسسة أخبار اليوم، 1978

• عالم تسكنه الحيوانات، ترجمة د. شامل أباظة، دار المعارف، 1979.

كما يبدو أن هناك ترجمات عربية أخرى فى بيروت والعراق (انظر تذييل عبد الحميد الكاتب للرواية) وربما فى غيرهما. وإنما أنقله لتأكيد أن ما يذهب إليه المقال المترجم هنا من أن القصة تقوم على فكرة أن ذكاء الخنازير هو الذى جعلها أهلا للقيادة وعلى فكرة أن فشل الثورة كان حتميا ومن أن القصة تدور حول روسيا السوڤييتية (وهذا ما تكرر أيضا فى الغلاف الخارجى الأخير للطبعة الإنجليزية المذكورة) لا جديد فيه بمعنى أن هذه الأمور ليست مزاعم يزعمها كاتب المقال لتعزيز هجومه على المضمون السياسى للرواية بل هى الأفكار التى تفهم من الرواية والتى صارت جزءًا من الثقافة العامة ومن الإدراك العام سوءا فيما يتعلق بالفهم “الطبيعى” للرواية أو فيما يتعلق بالفهم السائد الذى أسهمت فيه هذه الرواية ذاتها (بالإضافة إلى شقيقتها رواية سنة 1984) لطبيعة الاتحاد السوڤييتى السابق وحقيقته ومساره والسر الحقيقى وراء هذا المسار، مسار تدهور ثورة أكتوبر واستعادة الرأسمالية.

وعندما نشر المؤلف الماركسى البريطانى چون مولينو John Molyneux هذا المقال فى مجلة انترناشونال سوشاليزم التى يصدرها حزب العمال الاشتراكى فى بريطانيا، فى خريف 1989، كانت العاصفة الوشيكة، والتى سرعان ما هبّتْ فى خريف وشتاء 1989 فى أوروبا الشرقية، غير بعيدة عن توقعاته وتوقعات الكثيرين فى كل مكان (انطلاقا من بولندا التضامن وروسيا البيريسترويكا).

والآن وقد أسقطت العاصفة تلك الواجهات البراقة التى طالما أخفت جثة ثورة أكتوبر التى ماتت فى رأى چون مولينو ذاته منذ أواخر العشرينات فى روسيا وجثث ثورات أخرى تدهورت بدورها بسرعة أو ولدت ميتة فى أماكن أخرى نتيجة لتبنيها لنفس النموذج السوڤييتى، سيكون من المفيد أن نطلع على نقاش جاد حول قصة رمزية جرى استخدامها، ضد إرادة مؤلفها، كسلاح جبار فى الحرب العالمية الباردة، وأن نشارك فى حوار ليس فقط حول رواية أو رواية سياسية بل كذلك وفى المحل الأول حول عالم أضحى من الواجب الملح استشراف مصيره. ولاشك فى أن هذا المصير يرتبط بمسألة ما إذا كان سقوط “جمهورية الحيوانات” حسب عنوان الترجمة الفرنسية سيفسح المجال (بعيدا عن جمهوريات أصحاب المزارع) أمام قيام “جمهورية” البشر؛ وبعبارة أخرى بمسألة ما إذا كان محكوما على “جمهوريات” الفقراء بأن تكون جمهوريات حيوانات غبية جاهلة غير مؤهلة للقيادة التى تغتصبها الخنازير الذكية لأنها ذكية لكنْ ذات أخلاق “خنازيرية” فلا ينتهى الدوران لكنْ داخل نفس الدائرة الشريرة من الثورة والردة إلى ما لا نهاية.

المترجم

زيارة جديدة إلى “مزرعة الحيوانات

هذا المقال مناقشة للمضامين السياسية لرواية مزرعة الحيوانات لچورچ أورويل. ولا يمكننى أن أنصح بصفة عامة بهذه الطريقة بوصفها الطريقة الماركسية لتناول عمل أدبى. فكما يذكرنا تروتسكى، ينبغى تقييم العمل الفنى أوّلا وفقا لقوانين الفن فلا ينبغى أن نتناول رواية وكأنها مجرد صياغة درامية لبحث سياسى.

غير أن مزرعة الحيوانات استثناء على هذه القاعدة العامة. وبعيدا عن أن تكون رواية عادية، يمكن القول أنها حكاية خرافية سياسية صريحة – قصة رمزية واضحة عن الثورة الروسية وصعود الستالينية – تعَدّ فيها الشخصيات رموزا شفافة سواء للأفراد التاريخيين (أولد ماچور/كارل ماركس، سنوبول/القسيس، سكويلر/الداعية الحزبى، الكلاب/الشرطة السرية) فهى ليست شخصيات “حقيقية” أو “كاملة”. والحبكة، فى خطوطها العريضة الرئيسية على الأقل، ليست نتاج الخيال الإبداعى، بل هى نتاج المجرى الفعلى للتاريخ الروسى.

وقد كتب أوريل نفسه عن مزرعة الحيوانات قائلا أنها كانت أوّل عمل “حاولتُ فيه، بوعى كامل بما كنتُ أفعل، أن أصهر الغاية السياسية والغاية الفنية فى كلٍّ واحد”(1)، على أنه ربما كان أكثر دقة أن نقول أن ما هو فنى يخدم ما هو سياسى.

لا نقصد بهذا أىّ تلميح إلى أن مزرعة الحيوانات تفتقر إلى الأهلية الفنية. على العكس تماما، فهى من نواح عديدة رائعة صغرى. ذلك أن أسلوب نثر أورويل البسيط بصورة خادعة لكنْ المصقول بصورة رائعة موفق إلى حدّ أقرب إلى الكمال وطيّع على نحو بالغ الروعة لمعالجة الصعوبة الفنية الرئيسية التى ينطوى عليها مشروع مزرعة الحيوانات، وهى صعوبة جَعْل شخصياته قابلة للتصديق كحيوانات وكبشر، أو بالأحرى كحيوانات بسمات بشرية. وكان هذا مشروعا من شأنه أن يفشل بكل سهولة إما بالوقوع فى العاطفية الفجة لرسوم ديزنى المتحركة أو بإحداث تأثير يكاد أن يكون مجرد هراء. والحقيقة أنها لا تقع فى هذا أو ذاك. فنحن فى مزرعة الحيوانات لا نضحك إلا عندما يريد لنا أورويل أن نفعل، وعندما يحرّض نابليون الكلاب على الخنازير المنشقة وبقية الحيوانات فإننا لا نسخر، إننا نحس بكل رعب محاكمات موسكو. ويتمثل حلّ أورويل للمشكلة فى أن يخبرنا بما فيه الكفاية عن شخصياته وعن صفاتها البدنية المميزة لضمان ألا ننسى أبدا أنها حيوانات، لكنْ ليس إلى حدّ أن نتخيلها بوضوح يجعل كلامها وإدارتها للمزرعة يبدوان غير معقولين. إنه نوع من السير الوصفى على حبل مشدود ولا يسقط أورويل أبدا عن السلك.

أيضا، تماما كما وجد أورويل فى رواية سنة 1984 سلسلة من الصور عبّرتْ عن تجربة الشمولية (الأخ الكبير، الغرفة 101، الجريمة الفكرية، إلخ) وانتقلت بالتالى إلى الثقافة العامة، هناك فى رواية مزرعة الحيوانات لحظات ذات قوة هائلة مثل التعديل النهائى للوصايا السبع ونصه: “كافة الحيوانات متساوية لكن بعض الحيوانات متساوية أكثر من غيرها”، والمشهد الختامى عندما: “نقلت المخلوقات فى الخارج نظرها من الخنزير إلى الإنسان، ومن الإنسان إلى الخنزير، ومن الخنزير إلى الإنسان مرة أخرى، غير أنه كان من المستحيل عندئذ معرفة هذا من ذاك”(2). وتنطبع هاتان اللحظتان على الذاكرة بحيث لا يمكن محوهما إذ تغلفان بتهكم رائع خيانة الآمال الثورية والازدواج الساخر ليس فقط للستالينية، بل للحكام والمستغلين من كافة الأنماط(3).

مع ذلك تبقى حقيقة أن الأهمية السياسية لمزرعة الحيوانات تفوق بكثير – وبمعنى ما لا تتناسب إطلاقا مع أهميتها الفنية. وفى سياق تاريخ الرواية يقف أورويل فى الواقع كشخصية محدودة من الدرجة الثانية: إنه صاحب أسلوب نثرى جيد لكنه محدود فى المجال الانفعالى وفى قدرته على إبداع شخصيات حية ذات ثلاثة أبعاد. ويتمثل أحد أسباب النجاح الفنى لمزرعة الحيوانات فى أنها لا تحتاج إلى هذه الصفات. على أنه من الناحية السياسية، ربما كانت مزرعة الحيوانات قطعة الدعابة الأدبية الأكثر شعبية ونفوذا التى تم إنتاجها فى اللغة الإنجليزية، وربما فى أية لغة، فى هذا القرن. ومجرد حجم نجاح هذا الكتاب مذهل. وحسب طبعة 1987 التى أعتمد عليها الآن، طبعت هذه الرواية عددا مذهلا من المرات، 57 مرة، منها ثلاث مرات فى سنة واحدة، وهى، كما يعلم الجميع، الرواية المفضلة لدى المدرّسين والممتحنين، حيث تظهر فى الواقع فى كل مقررات GCSE, CSE, O. والمنافس الوحيد لمزرعة الحيوانات فى هذا الصدد رواية سنة 1984 ويبدو من المرجح تماما أن الناس علموا ما يعرفون عن الثورة الروسية من هنا أكثر بكثير مما من أىّ مصدر آخر. ولا جدال فى أن نسبة الناس الذين قرأوا مزرعة الحيوانات إلى أولئك الذين قرأوا تروتسكى، أو دويتشر، أوكار، أوكليف، أو أىّ تقييم جاد آخر لابد أن تكون نسبة فلكية.

من ناحية أخرى، إذا كان حجم نجاح الكتاب مدهشا فإن السبب وراء ذلك ليس ملغزا. وهو يتمثل، بطبيعة الحال، فى واقع أنه يجرى التفكير بصفة عامة فى مزرعة الحيوانات على أنها عرض بسيط درامى ومؤثر للغاية للحجج الرئيسية ضد الاشتراكية والثورة، أىْ تلك القائلة أن الاشتراكية لا يمكن أن تنجح وأن كافة الثورات تنتهى إلى الاستبداد. هذا إذن مبرر مناقشة مزرعة الحيوانات ومبرر أن تتعلق المناقشة فى المقام الأول بالسياسة. ذلك أن الأفكار السياسية لمزرعة الحيوانات صارت جزءًا من ثقافتنا ومن وعينا. وهى تلعب دورا، دورا كبيرا، فى المناظرة الدائرة التى ينهمك فيها كافة الاشتراكيين. وهذا هو السبب فى أن هذه الأفكار تقتضى التحليل والمواجهة.

ولا مناص من أن يبدأ التحليل بمشكلة. وتتمثل المشكلة فى أن مزرعة الحيوانات كتاب “يمينى” بقلم كاتب “يسارى”. ومؤهلات أورويل اليسارية (اليسارية، وليس الماركسية) كبيرة: إنها مؤلف هجوم قوى على الامبريالية (أيام بورما Burmese Days)، واستقصاءٍ متعاطف لحياة الفقراء والأكثر فقرا (المسحوقون فى باريس ولندن Down and Out in Paris and London)، واتهام لأوضاع العاطلين عن العمل والطبقة العاملة أثناء الكساد الكبير (الطريق إلى ويجان پير The Road to Wigan Pier) وفى المقام الأول، تحية لكاتالونيا Homage to Catalonia)، الاحتفاء اللاستالينى الرائع بالثورة الأسبانية. كما أنه الشخص الذى توجه بالفعل إلى أسبانيا وقاتل مع ميليشا الحزب العمالى للتوحيد الماركسى POUM. كيف إذن وصل “رجل اليسار” هذا بكراهيته المخلصة بجلاء للاستغلال والاضطهاد إلى حدّ أن يؤلف كتابا كان مفيدا إلى هذا الحد لليمين؟

هناك ثلاثة حلول ممكنة لهذه المشكلة: أوّلا، أن أورويل فى الفترة التى كتب فيها مزرعة الحيوانات فى 1943-1944 كان لم يعد يساريا؛ أنه بين 1937 و1943 تحولت وجهات نظر أورويل بصورة ملحوظة نحو اليمين – وباختصار، أنه كان قد باع نفسه وصار محاربا عن وعى وسابقا للأوان فى الحرب الباردة.

ثانيا، يُزعم أن مزرعة الحيوانات ليست كتابا يمينيا؛ والواقع أنها نقد يسارى للستالينية استخدمته وشوهته الطبقة الحاكمة والنظام التعليمى.

ثالثا، يقال أن مزرعة الحيوانات كتاب يمينى رغم نوايا أورويل وأنه يمكن تفسير هذا الانفصال بين النية والنص بتناقضات فى آراء المؤلف السياسية هى أيضا ماثلة وملحوظة فى النص.

والحل الأول حجة بيوجرافية ويمكن رفضها على أسس بيوجرافية. وصحيح أنه بين “تحية لكاتالونيا” ومزرعة الحيوانات كان هناك تحول ذو شأن صوب اليمين. كان أورويل قد عاد من أسبانيا اشتراكيا متحمسا وملتزما – وحتى ثوريا – وكان يعتزم حتى وقت متأخر مثل فبراير 1939 أن يعارض الحرب القادمة على أسس أممية. بل إنه فكر فى تشكيل منظمة سرية للقيام “بالأنشطة السرية ضد الحرب”(4). غير أن اقتران معاهدة هتلر-ستالين باندلاع الحرب حوّله إلى وطنى أو، بدقة أكثر، كشف وطنيته الكامنة(5)، وكان هذا يعنى حتما نقلة من الثورة إلى الإصلاح. على أن هذه النقلة إلى اليمين لم تذهب بعيدا إلى حدّ حَمْل أورويل إلى معسكر الرجعية. ومن الناحية الذاتية، ظل أورويل اشتراكيا، ونصيرًا لحزب العمال، ويساريا. وفى 1943، السنة التى بدأ فيها كتابة مزرعة الحيوانات، شرع فى كتابة عمود أسبوعى لتريبيون استمرّ أربع سنوات.

كما ينبغى أن نتذكر أن الظروف السياسية فى فترة 1943-1944 تستبعد احتمال أن تكون مزرعة الحيوانات قد كتبت لأسباب انتهازية. ذلك أن بريطانيا وروسيا كانتا حليفتين وكانت روسيا فى ذروة شعبيتها. ولهذا فإن كتابا انتقاديا بذلك القدر من الوضوح للنظام السوڤييتى إنما كان يسبح ضد التيار إلى أبعد حد – وهذه حقيقة تؤكدها الصعوبة التى واجهها أورويل فى الحصول على ناشر. ولهذا فإن ما يبدو جليا هو أن المقصود بمزرعة الحيوانات كان شنّ هجوم على الستالينية من موقع ضمن نطاق اليسار (وهذا يختلف عن شنّ هجوم على الستالينية من اليمين)(6).

وأكد أورويل نفسه فى 1946 ما يلى:

كلّ سطر فى عمل جاد كتبته منذ 1936 كتب، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ضد الشمولية وفى سبيل الاشتراكية ذات الطابع الديمقراطى كما أفهمها(7).

وما دمنا مدركين للظلال السياسية الدقيقة لمفهوم “الاشتراكية ذات الطابع الديمقراطى” (وهذه التسمية سيدّعيها روى هاترسلى لنفسه) يبدو أنه لن يكون هناك أىّ مبرر للشك فى هذا كبيان أمين عن النية. وأغلب الظن أن الطريقة التى استخدمت بها مزرعة الحيوانات كانت ستثير غضب أورويل، تماما كما أحس فى 1949 بأنه مضطر إلى إصدار بيان فى أمريكا ينكر فيه أن رواية سنة 1984 كانت هجوما على الاشتراكية أو حزب العمال البريطانى(8).

على أن النية لا تتطابق بالضرورة، لا فى السياسة ولا فى الأدب، مع النتيجة أو الإنجاز. وبالتالى فإن رفض الحل الأول، المتمثل فى القول بأن أورويل كان رجعيا عن وعى، لا يعنى قبول الحل الثانى، المتمثل فى القول بأن مزرعة الحيوانات كتاب يسارى شوّه النظام السائد حقيقته. والواقع أن فكرة أنه يمكن إنقاذ مزرعة الحيوانات وإنتاج أورويل ككل من اليمين وتأكيد انتماء هذا الإنتاج بمعنى ما للتراث الاشتراكى فكرة شائعة فى صفوف اليسار. وأعتقد أن لهذه الفكرة جاذبية خاصة لدى أولئك الاشتراكيين الذين كان كتاب تحية لكاتالونيا بالنسبة لهم قراءة أسهمت فى تشكيل فكرهم والذين يميلون بالتالى إلى قراءة بقية إنتاج أورويل فى ضوء ذلك الكتاب، ناظرين إلى مزرعة الحيوانات على أنها وصف تروتسكى بمعنى واسع لصعود الستالينية.

لسوء الحظ ينبغى رفض هذا التفسير بدوره أوّلا لأن هذه القراءة ليست، من واقع تجربتى كمدرّس، القراءة “الطبيعية” لهذا الكتاب، أىْ أنها لا تمثل التفسير الذى يتوصل إليه القارئ الوسطى عند القراءة الأولى. على العكس تماما، تعتبر الأغلبية الواسعة من القراء الطلبة الذين التقيت بهم لمزرعة الحيوانات هذه الرواية نقدا للاشتراكية والثورة. ثانيا، كما سأحاول أن أبيّن فى مجرى دفاعى عن الحل الثالث، ليس هذا بتفسير يمكن إثباته على أساس التحليل التفصيلى للنص.

ويفترض الحل الثالث وجود تناقض بين النية والنص ضمن نطاق النص، وينبع من تناقض فى الآراء السياسية لأورويل. ويتمثل جذر هذا التناقض فى واقع أن أورويل يمزج بين إدانة أخلاقية للرأسمالية ورفض للماركسية وتشاؤم عميق إزاء الطبقة العاملة بوصفها القوة المحققة للاشتراكية. وحيثما تعلق الأمر بمسألة الميل السياسى الشخصى لأورويل فإن العنصر الأخلاقى فى هذا المزيج يحتفظ به من الناحية الذاتية ضمن دائرة اليسار، غير أنه عندما يجرى تقديم هذا المزيج على أنه تحليل تاريخى (وإنْ فى صورة رمزية) فإن التأثير الموضوعى يغدو يمينيا غالبا – فهو يعزز فى نهاية المطاف وجهة النظر القائلة بأن الاشتراكية مستحيلة.

وأنا أقول “غالبا” و”فى نهاية المطاف” لأن هناك بلا جدال عناصر يسارية فى مزرعة الحيوانات. ومن الأهمية بمكان أن نتعرف على هذه العناصر ونحددها، جزئيا لأن تبنى اليمين للكتاب أدى إلى إهمال هذه العناصر فى كثير من الأحيان وجزئيا لكى نفهم كيف ولماذا يجرى طمسها فى التأثير الكلىّ.

والعنصر اليسارى الأكثر أهمية هو الشجب الذى يفيض حماسا لأولد ماچور فى الفصل الافتتاحى للاستغلال والاضطهاد الوحشيّيْن للحيوانات فى ظل حكم الإنسان. والمقصود بهذا أن يكون مماثلا لنقد ماركس للرأسمالية ولاستغلال البرچوازية للطبقة العاملة. وتتمثل النقطة الأساسية فى أن أورويل يوافق بكل وضوح على هذا النقد ويدعو القارئ إلى التطابق معه(9).

“حياة الحيوان بؤس وعبودية: تلك هى الحقيقة الخالصة… لماذا إذن نستمر فى هذا الوضع البائس؟ لأن كل نتاج عملنا تقريبا يسرقه منا البشر”، هذا ما يقوله أولد ماچور، ويوافق أورويل بوضوح. ويجرى تصوير عصيان الحيوانات، أىْ الثورة العمالية، والدفاع عن ثورتها فى معركة حظيرة البقر، على أنهما مبرّران تماما وتطلعاتها إلى الازدهار والسلام والأخوّة والمساواة على أنها نبيلة ومرغوبة. ويتمثل اتهام أورويل للنظام الذى أسسه نابليون والخنازير فى أنه لا يمكن تمييزه من حيث طغيانه واضطهاديته عن حكم الإنسان بوجه عام ومستر چونز بوجه خاص. وفى كل موضع فى الكتاب لا يظهر أىّ إنسان (أىْ برچوازى) إلا كمستغلّ.

وتشتمل مزرعة الحيوانات أيضا على قليل من السخرية البارعة حول دور الدين فى شخصية موسى، الغراب المدجّن، وهو “جاسوس ونمام” لكنْ أيضا متحدث بارع يحدّث الحيوانات عن “جبل سكر النبات” الذى يُعتقد أن كافة الحيوانات ستذهب إليه عندما تموت. ويُطرد موسى فى سياق العصيان غير أنه يُسمح له بالعودة من جانب الخنازير التى تستخدمه لنفس الأغراض التى كان يستخدمه مستر چونز من أجلها، وترتدّ حيوانات كثيرة إلى إيمانها بقصصه عن جبل سكر النبات. “كانت حياتها، فيما فكرت، حياة جوع وكدح؛ أليس صوابا وعدلا أن يوجد عالم أفضل فى مكان ما آخر؟”(10). ومن الجلى أن أورويل يستفيد هنا من طبعة مبسطة من التحليل الماركسى للدين.

يتمثل ملمح آخر، نقدى وهدّام، من ملامح مزرعة الحيوانات فى الطريقة التى تتناول بها تبرير الخنازير لامتيازاتها. ويأتى أول خرق لمبدأ مساواة الحيوانات عندما تطالب الخنازير لنفسها، بعد العصيان مباشرة، باللبن والتفاح:

أرسل سكويلر ليقدم الإيضاحات الضرورية لبقية الحيوانات

“أيها الرفاق”، صاح، “أنتم لا تتصورون، فيما آمل، أننا نحن الخنازير نفعل هذا بدافع الأنانية والامتياز؟ فكثيرون منا يكرهون اللبن والتفاح فى الواقع، وأنا نفسى أكرههما. إن هدفنا الوحيد من أخذ هذين الشيئين هو المحافظة على صحتنا. اللبن والتفاح (وهذا أثبته العلم، أيها الرفاق) يحتويان على مواد ضرورية تماما لعافية الخنزير. فنحن الخنازير عاملون ذهنيون. ويتوقف علينا كامل إدارة وتنظيم هذه المزرعة. فنحن نعتنى ليلا ونهارا برفاهيتكم. وإنما من أجلكم أنتم نشرب ذلك اللبن ونأكل ذلك التفاح(11).

هنا يقدم أورويل حجة سكويلر كمجرد نفاق مصلحىّ بارع، لكنه إذ يفعل هذا يكشف ليس فقط التبرير الستالينى لفتح محلات خاصة لأعضاء الحزب وما إلى ذلك، بل كذلك أيضا إحدى الحجج الرئيسية التى تستخدمها برچوازيتنا نحن لتبرير امتيازاتها. وإذا كان غير صحيح أن “العاملين الذهنيين” يحقّ لهم أخلاقيا أكثر مما يحقّ للعاملين اليدويين فكيف يمكن إذن تبرير أن يكسب المحامون أكثر من الزبالين أو المديرون أكثر من عمال المناجم.

ولهذا فمن المعقول أن نوضح للمعجبين البرچوازيين بمزرعة الحيوانات أنها تصور نظامهم على أنه استغلال لا يرحم، وطبقتهم على أنهم طغاة قاسون وغير أكفاء، ودينهم على أنه خداع، وأيديولوچيتهم على أنها احتيال. غير أننا سنخدع أنفسنا إذا نحن لم ندرك أيضا أن تأثيرات هذا النقد الاجتماعى الحاد حقا يفوقها ويبطلها واقع أن الكتاب يشكك فى الاشتراكية وفى الواقع فى أية محاولة تستهدف التحويل الجذرى لهذه الأحوال التعيسة. والواقع أن تحليل كيف على وجه التحديد تفعل مزرعة الحيوانات هذا هو الذى يكشف بعمق محتواها الرجعى.

هناك فى المقام الأول واقع أن القصة الرمزية تعمل على مستوييْن. فمن ناحية يمثل عدد من الشخصيات والأحداث فى القصة أشخاصا فعليين وأحداثا فعلية من التاريخ الروسى، وعلى سبيل المثال يمثل سنوبول تروتسكى، وتمثل مناظرة ويندميل (طاحونة الهواء) مناظرة التصنيع فى العشرينات، وصفقة نابليون مع فريدريك هى معاهدة هتلر-ستالين وهكذا. ومن ناحية أخرى فإن بعض الشخصيات والأحداث تعدّ رمزية بمعنى أوسع. وهكذا يمثل مستر چونز البرچوازية، أو ربما الطبقة الحاكمة بوجه عام، أكثر من القيصر فى حد ذاته؛ ويمثل الحصان بوكسر “العامل العادى المعقول الحال” بوجه عام أكثر مما يمثل بوجه خاص الطبقة العاملة الروسية؛ وتمثل الفرس كلوڤر والفرس موللى والنعجة أنماطا اجتماعية محددة ( أو ما يتصوره أورويل أنماطا اجتماعية محددة) وليست بحال روسية على وجه الخصوص. وعلى هذا النحو تعدّ مزرعة الحيوانات فى آن معا قصة رمزية للثورة الروسية وللثورة بوجه عام. وهى توحى، وهذا الإيحاء مصبوب فى صميم بنية الكتاب، بأن مصير الثورة الروسية هو المصير الحتمى لكافة الثورات فى الماضى والمستقبل. وهذه الفكرة يجرى تعزيزها إلى مدى أبعد عن طريق تحديد مكان القصة بصورة محددة تماما بإنجلترا، الأمر الذى يحمل مباشرة رسالة مؤداها أن أية ثورة فى إنجلترا محكوم عليها بأن تنتهى بنفس الطريقة.

كما تعدّ بالغة الدلالة فى توصيل نفس الفكرة تلك النقاط التى تبتعد عندها قصة مزرعة الحيوانات بصورة ملحوظة عن التاريخ الفعلى. وقد يبدو هذا خطا غير معقول للجدال من حيث أن حكايات حيوانات من 120 صفحة لا يمكنها بكل وضوح أن تنسخ بأى قدر كبير من الدقة كلّ تعقيد الثورة الروسية وتدهورها. غير أن أحد أبرز ملامح مزرعة الحيوانات وأحد إنجازاتها التى لا تنكر يتمثل على وجه التحديد فى مدى الدقة التى توفق بها فى اقتفاء أثر الأحداث الحقيقية وفى مدى كثر ما تحشد منها: ليس فقط الثورة، ونفى تروتسكى والافتراء عليه، والتطهيرات، بل أيضا المناظرة حول الاشتراكية فى بلد واحد(12)، والمقاومة الفلاحية للتجميع الزراعى (عصيان الدجاج)، واستراتيچية الجبهة المتحدة (تغيير الحمام للشعار من “الموت للبشرية” إلى “الموت لفريدريك”) وكثير من التفاصيل الأخرى الثانوية نسبيا. وهناك بطبيعة الحال الكثير من التبسيط غير أن الأمر لا يتجاوز ذلك غالبا – التبسيط وليس التشويه. وإنما فى هذا السياق يغدو تبديلان جوهريان، أو تزييفان إن جاز القول، للسجلّ من الأهمية بمكان.

ويتعلق التزييف الأكثر صراحة منهما بشخصية نابليون. ومن الجلى أن نابليون يمثل ستالين، تماما كما يمثل أولد ماچور ماركس وسنوبول تروتسكى. فمن إذن يمثل لينين؟ وحيث أن أورويل يصور العصيان على أنه بقيادة خنزيريْن، نابليون وسنوبول، فإن المرء يجد نفسه مرغما على استنتاج أن نابليون يمثل لينين أيضا. وبهذا فإن شخصىْ لينين وستالين يندمجان فى مزرعة الحيوانات فى شخصية واحدة. وهذا أمر له مغزاه الأيديولوچى الهائل. والواقع أن الأرثوذكسيتيْن السائدتيْن فى الغرب والشرق كانتا تلحان دائما، كل منهما لأسبابها الخاصة، على الاستمرارية بين اللينينية والستالينية: الأولى لتشويه الماركسة والثورة بوصفها المقدمة الحتمية للاستبداد، والأخيرة لتدعى لنفسها ميراث ذلك الثورى العظيم. وسواء عن قصد أو دون قصد فإن إورويل، عن طريق دمج لينين وستالين، يوافق بصورة لا يمكن تفاديها على النظرة الغربية السائدة.

هناك عدد من التفاسير للينينية تقود إلى أطروحة الستالينية. كان لينين فى أحدها ومنذ البداية شخصية شمولية عاقدة العزم على السلطة الشخصية المطلقة؛ وفى آخر يغدو المفهوم اللينينى عن الحزب المصدر الأصلى للشرّ الشمولى؛ وفى ثالث يغدو مشروع الثورة ذاته الخطيئة الأصلية ويغدو لينين وستالين مجرد مرحلتين مختلفتين من مراحل المنطق المحتوم للثورة. غير أن الدلالات والاستنتاجات رجعية بعمق فى كافة الأحوال.

ولو أن مزرعة الحيوانات اشتملت على شخصية مستقلة للينين ما كان لهذا أن يحلّ المسألة (ليس أكثر بحال مما فعل فى الحياة الفعلية) على أنه كان يمكن أن يسمح على الأقل ببحث الاستمرارية داخل نطاق النص. والواقع أن اندماج لينين وستالين فى نابليون يحول دون هذه الإمكانية ويُقوّى إلى حد بعيد الانطباع الخاص بتدهور سلس ولا يمكن تفاديه نحو الديكتاتورية.

ويتعلق التشويه التاريخى الخطير الثانى بالسنوات التالية مباشرة للثورة وبوجه خاص بالحرب الأهلية فى الفترة من 1918 إلى 1921. فى الواقع كانت هذه فترة من المعاناة الهائلة والمفزعة فى حياة الشعب الروسى. لقد عانى الاقتصاد انهيار كليًّا تقريبا، هبط الإنتاج الصناعى إلى جزء ضئيل جدا من مستواه السابق للثورة، وتفسخ نظام النقل، واجتاحت المجاعة والأمراض المدن، وهبطت بشدة أعداد سكان بتروجراد وموسكو، قلب الثورة. وكان البيض على قيد شعرة من سحق الدولة العمالية الفتية ومن أجل هزيمتهم كان على النظام أن يخضع كل شيء فى الواقع لاحتياجات الجيش، بما فى ذلك التضحية بجانب كبير من القسم الأكثر وعيا سياسيا من الطبقة العاملة. وتوترت العلاقات بين المدينة والريف إلى نقطة الانهيار وإلى أبعد من ذلك بسبب الحاجة إلى مصادرة الغلال. وكان النظام البلشفى مرغما، أكرر مرغما، كمسألة حياة أو موت، على اللجوء إلى تدابير قاسية واستبدادية(13).

ولهذا كانت هذه الفترة هى التى أرسيتْ فيها الأسس المادية للبيروقراطية الستالينية. ولم يجر فقط إرساء السوابق الاستبدادية (الاحتكار السياسى البلشفى، حظر التكتلات، وما إلى ذلك)، وهو ما سيستخدمه ستالين بعد ذلك لأغراضه الخاصة، بل إن الذات الفعالة والقوة المحركة للثورة – البروليتاريا الصناعية – تحطمت. و”مقتلعة من وضعها الطبقى الخاص”، كما عبر لينين فى ذلك الحين، بالحرب والانهيار الاقتصادى، كفتْ الطبقة العاملة عن الوجود كجماعة يمكنها أن تحكم أو توجّه أولئك الذين حكموا باسمها. وكان هذا ما استهلّ تحوُّل مسئولى الدولة والحزب إلى بيروقراطية ذات امتيازات تعمل على تحقيق مصالحها الخاصة.

وإنما على هذه الخلفية واستجابة لهذا الموقف تطور الصراع بين ستالين وتروتسكى فى العشرينات، حيث كان كل زعيم وكل انقسام يعكس ويمثل قوى اجتماعية متباينة. كان ستالين رأس حربة لاندفاع البيروقراطية لتخليص نفسها من أىّ اعتماد على الطبقة العاملة وتوطيد نفسها كطبقة حاكمة لحسابها الخاص. وكان تروتسكى يقود المقاومة المستميتة لذلك القسم من الطبقة العاملة والحزب البلشفى والذى ظل مخلصا للأهداف الأصلية للثورة. وكان الانتصار من نصيب ستالين ليس بسبب تفوقه الشخصى بل لأن القوة الاجتماعية التى كان يؤيدها كانت فى تلك الفترة من الزمن أقوى وأكثر تلاحما من الطبقة العاملة.

غير أن هذه الفترة الحرجة يجرى تصويرها فى مزرعة الحيوانات فى ضوء مختلف تماما. فالمصاعب الكارثية للسنوات الباكرة ومشاقها تختفى بلا أثر.

كم كدحتْ الحيوانات وعرقتْ لحصد قشّ العلف! غير أن جهودها كوفئت، ذلك أن الحصاد كان نجاحا أكبر حتى مما كانت تأمل… علاوة على ذلك، كان ذلك أضخم حصاد شهدته المزرعة على الإطلاق… وطوال ذلك الصيف كان عمل المزرعة منتظما كالساعة. وكانت الحيوانات سعيدة كما لم تتصور قط أنه يمكنها أن تكون سعيدة… فمع التخلص من البشر الطفيليين العاطلين عن العمل، كان هناك المزيد لكل حيوان ليأكل. وكان هناك أيضا المزيد من وقت الفراغ(14).

كذلك يتلاشى دمار الحرب الأهلية. وتعدّ معركة حظيرة البقر، التى تتطابق مع الحرب الأهلية، انتصارا سهلا جدا للحيوانات ولا تستغرق سوى خمس دقائق. والإصابات الوحيدة التى مُنى بها كلا الجانبين لا تزيد عن صبى إسطبل أصيب بارتجاج فى المخ ونعجة واحدة قتيل. ولا يتعطل عمل المزرعة على الإطلاق.

ومغزى هذا التشويه هو تجريد صعود حكم الخنازير/الستالينية من أىّ جذر أو سبب مادى. فهو يهبط بالصراع بين نابليون/ستالين وسنوبول/تروتسكى إلى مستوى محض تنافس شخصى بين فردين لهما مزاجان متضاربان. وحتى المسألة الرئيسية المتعلقة بالثورة فى بلد واحد، والتى مُنحتْ أهمية أقل من مناظرة ويندميل/التصنيع، تم تناولها على أنها قلب للمنطق لا غير، أىْ حجة أنه لا فرق بين الأمرين بلا أى تأثير ذى شأن على مصير المزرعة/الثورة.

كالعادة، كان سنوبول ونابليون على خلاف. فوفقا لنابليون، كان ما ينبغى أن تفعله الحيوانات هو الحصول على أسلحة نارية وتدريب نفسها على استعمالها. ووفقا لسنوبول، كان على الحيوانات إرسال المزيد والمزيد من الحمام للتحريض على العصيان فى صفوف الحيوانات فى المزارع الأخرى. كان أحدهما يحاول إثبات أنه إذا عجزت الحيوانات عن الدفاع عن نفسها فسيكون محكوما عليها بالهزيمة، وكان الآخر يحاول أن يثبت أنه إذا وقعت عصيانات فى كل مكان فلن تكون الحيوانات بحاجة إلى الدفاع عن نفسها(15).

ويقود إغفال الشروط المادية لتدهور الثورة إلى ما يُعَدّ السمة الأشدّ رجعية لمزرعة الحيوانات، أىْ التفسير القاطع الذى تقدمه لفشل العصيان فى تحقيق أهدافه. وهذا التفسير صيغ بصفة كاملة فى إطار التعارض بين الغايات الثورية “الطوباوية” المتمثلة فى المساواة والحرية والديمقراطية، وبين الخصائص الفطرية الثابتة لدى مختلف الحيوانات.

وهكذا فإن جشع الخنازير وتلهُّفهم على السلطة يبدآن من ذات اللحظة التى يُطاح فيها بچونز وينطبقان على كافة الخنازير بلا استثناء. ويلحّ أورويل إلحاحا خاصا على الإشارة إلى أنه فيما يتعلق بالاستيلاء على اللبن والتفاح، “كانت كافة الخنازير متفقة تماما… حتى سنوبول”(16) كما أن تلك المقاومة الموجهة لصعود نابليون، أوّلا من جانب سنوبول ثم من جانب خنازير التسمين الأربعة الصغيرة، التى تحتج على إلغاء اجتماعات يوم الأحد، ليست موجهة على الإطلاق إلى حكم الخنازير أو امتياز الخنازير فى حدّ ذاته. ولا يجرى تقديم أية أسباب لهذا الفساد الإجماعى للخنازير. ويجرى تقديم هذا الفساد على أنه أوتوماتيكى بكل بساطة – على أنه التعبير الحتمى عن الطبيعة الخنزيرية.

وأساس سيادة الخنازير هو، بطبيعة الحال، ذكاؤها المتفوق(17). ويجرى تقديم هذا، شأنه شأن جشعها، على أنه موهوب وفطرى. “وقع العمل المتصل بتعليم وتنظيم الحيوانات الأخرى، بطبيعة الحال، على عاتق الخنازير التى كان معترفا بها بوجه عام على أنها أذكى الحيوانات”(18). كما أن الدور القيادى لنابليون وسنوبول “طبيعى” فى منشئه. “وتفوّق بين الخنازير خنزيران بريان ذكران فتيّان اسمهما سنوبول ونابليون… وكانت كافة الخنازير الذكور الأخرى فى المزرعة خنازير تسمين”(19). وماذا عن إناث الخنازير؟ حسنا، إنها “بطبيعة الحال” لا تستحق الذكر!

ولا يفوّت أورويل أىّ مناسبة لتعزيز نفس هذه الرسالة. وفى أول اقتراع حول ما إذا كانت الفئران رفاقا “لم يكن هناك سوى أربعة أصوات معارضة، الكلاب الثلاثة والقطة”(20). وتتصرف الأغنام من البداية إلى النهاية “كأغنام” ليس إلا، ومُوللى “الفرس البيضاء الجميلة الحمقاء” التى توجه “أغبى الأسئلة”(21)، لا تكون إلا مخلصة “لطبيعتها” عندما تخرج على الإنسان فى سبيل السكر والأشرطة(22). والحقيقة أنه لا حيوان فى مزرعة الحيوانات يتعرض لأىّ تطور أو يكون قادرا على الإفلات من سجن وقدَر الطابع الموروث.

وهذه نظرة محافظة بعمق وتبرز دلالاتها اليمينية إلى الصدارة إلى أقصى حد عندما نطرح سؤال، ما الذى يمكن نابليون من اغتصاب السلطة، وكيف يفلت من العقاب؟ وإجابة مزرعة الحيوانات، إجابة أورويل، هى بصفة أساسية أن ذلك يتمثل فى غباء الحيوانات الأخرى. ويجرى التشديد على هذا الغباء فى كل موضع فى الكتاب. وفى الأيام الأولى “البطولية” للعصيان يجرى اتخاذ كافة القرارات من جانب المجلس أو “الاجتماع” العام (الموازى تقريبا للسوڤييتات) غير أن الديمقراطية مصابة بالاختلال بصورة قاتلة بسبب افتقار الحيوانات إلى الذكاء. “كانت الخنازير هى التى تقدم القرارات دائما. وفهمت الحيوانات الأخرى كيف تقترع، لكنها لم تستطع قط أن تفكر فى أية قرارات من تلقاء ذاتها”(23). وإنما لنفس السبب يثبت إخفاق محاولة سنوبول لإدخال وتربية المخلوقات الدنيا فى لجان الحيوانات كما يثبت إخفاق فصول القراءة والكتابة الخاصة بها(24)، وهذا واقع حاسم بالنسبة للتلاعب والخداع المتكررين من جانب الحيوانات فيما يتعلق بالوصايا السبع.

على أنه إذا كانت كافة الحيوانات فى الواقع (ما عدا الخنازير) غبية فإن غباء بوكسر حصان الجرّ، الذى يرمز إلى العامل العادى الوسطى المعقول الحال، هو الذى يجرى التشديد عليه إلى أقصى حد وهو الأكثر أهمية. وبوكسر أساسى لأن بوكسر، مثل الطبقة العاملة، يملك القدرة على التعامل مع نابليون وكلابه. ويبدو بلا أدنى شك أن أورويل أدرك قوة الطبقة العاملة، فهو يصور هذه الأخيرة تصويرا دراماتيكيا للغاية. وفى المشهد الذى يوازى محاكمات موسكو يحرّض نابليون الكلاب على مطاردة الخنازير الأربعة التى انشقتْ من قبل. وذاقت الكلاب الدم وتندفع ثلاثة منها نحو بوكسر.

رآها بوكسر قادمة واستخدم حافره الضخم بكل قوة، واصطاد كلبا وهو لايزال معلقا فى الهواء، وثبّته على الأرض. وصرخ الكلب طالبا الرحمة وهرب الكلبان الآخران وذيل كل منهما بين رجليْه. ونظر بوكسر إلى نابليون ليعرف ما إذا كان سيسحق الكلب أم سيدعه يذهب(25).

وبوكسر يملك القوة لكنه لا يستخدمها أبدا. وفى كل مرحلة يخدعه نابليون وسكويلر. ويجرى خداعه لأنه غبى. وتتمثل استجابته لكل نموذج جديد من الفساد، لكل اضطهاد جديد، لكل كذبة جديدة، فى التردد المحزن والمذعن لشعاراته، “نابليون على حق دائما” و”سأعمل بمزيد من الجد”. وبوكسر ليس غبيا فقط نتيجة للظروف، إنه غبى غباء خلقيًّا ولا رجعة فيه. وعندما يظهر بوكسر لأول مرة فإن قوته وغباءه يجرى ذكرهما فى الحال:

كان بوكسر دابة ضخمة… وكان قويا قوة حصانين عاديين مجتمعيْن… حضور غبى إلى حدّ ما، والواقع أنه لم يكن على ذكاء من الدرجة الأولى(26).

ويقاوم غباؤه كافة محاولات التعليم. ورغم الجهود الضخمة فهو عاجز عن أن يتعلم الألفباء أبعد من حرف “D”.

ويالها من صورة مرعبة ومشوِّهة للطبقة العاملة. وبطبيعة الحال فإن التطور الفكرى للطبقة العاملة تضرّبه الشروط الاجتماعية – الفقر،والتربية المنحدرة إلى الحضيض، والعمل المغترب. وبطبيعة الحال فإن أغلب العمال تسيطر عليهم فى الأوقات العادية، إلى هذا الحد أو ذاك، أفكار الطبقة الحاكمة. على أن هذه السمات لا هى فطرية ولا هى عصية على التغيير. وفى لحظات الذروة فى النضال الطبقى يُبدى العمال “العاديون” مبادرة وإبداعية خارقتين للعادة وحتى فى أعماق الرجعية، عندما تكون الثقة بالمقاومة قد تحطمت بكل وضوح، فإنهم لا يكونون أبدا أغبياء ومغولى المخ وفاترى الهمة مثما يوحى أورويل هنا.

ونحن الآن فى موقف يتيح لنا أن نلخص بإيجاز الرسالة السياسية التى تنبثق من التفسير المجازى لأورويل لتدهور الثورة.

وهى كالتالى: فى حين أن النظام القديم استغلالى وقاس دون شك فإن محاولة خلق نظام جديد من المساواة والحرية محكوم عليها بالإخفاق لأنه مناقض لملامح بعينها لا تتبدل من ملامح الطبيعة البشرية. وانقسام المجتمع إلى حكام ومحكومين، مستغلين ومستغَلين أمر حتمى لأنه يرتكز على التفاوتات “الطبيعية”، وقبل كل شيء تفاوتات الذكاء. وتخفق الثورات المساواتية وستظلّ تخفق لأنه (أ) سيكون هناك دائما أولئك (النخبة، المثقفون، الزعماء، المتفوقون) الذين سيسعون إلى استغلال الثورة لأغراضهم الخاصة؛ و(ب) سينجحون فى هذا لأن جمهور الناس العاديين، وعلى وجه الخصوص الطبقة العاملة الصناعية، عاجزون فكريا عن تنظيم الإنتاج وإدارة المجتمع بصورة ديمقراطية – ليس بوسع الطبقة العاملة أن تحرر نفسها.

لا عجب إذن فى أن يعمد اليمين إلى إعلاء شأن مزرعة الحيوانات بكل قوة، ذلك أنها تقرّ موضوعتين من الموضوعات الأكثر جوهرية فى أيديولوچيتها: موضوعة أن الطبقات ذات الامتيازات تدين بموقعها للتفوق الشخصى لأفرادها وموضوعة أنه لا نظام أفضل ممكن لأن الجماهير متدنية. والحقيقة أن البرچوازية مستعدة تماما للتسليم بأن الحياة فى ظل حكمها شاقة وقاسية وظالمة – ومن مصلحتها من بعض النواحى الاعتراف بهذا والتسليم به – فقط شريطة التسليم كذلك بأنه لا بديل هناك.

وواقع أن أورويل لا يستسيغ هذا الاستنتاج، وأنه يجده بغيضا أخلاقيا، وأنه يهتم بإخلاص بأمر الطبقات الدنيا، وأنه لم تجر صياغته بصراحة بل ينبع “تلقائيا” وبطريقة لا مفر منها من القصة لا يؤدى إلا إلى جعله أكثر وزنا بكثير.

فما الذى يفسر إذن هذا التناقض العميق فى نظرة أورويل إلى العالم؟ إنه فى رأيى نتاج عامليْن يتبادلان التأثير.

العامل الأول هو خلفيته الطبقية. ذلك أن أورويل، أو إريك بلير، وُلد فى الطبقة الوسطى الإدارية لبريطانيا الامبراطورية وتعلم فى المدرسة الإعدادية، ولينجتون وإيثون. ويتذكر أورويل: “فى نظرى فى طفولتى الباكرة وفى نظر كل أطفال العائلات التى كعائلتى كان يبدون دون البشر تقريبا”(27). وقد انتهى أورويل إلى قطيعة مع هذه الخلفية الاجتماعية بطبيعة الحال، وترك عمله مع الشرطة الهندية، ورفض الكثير من قيم طبقته، وصار نصيرا لقضية “الإنسان العادى”. غير أنها لم تكن قطيعة كاملة. ذلك أن أورويل لم يصبح مناضلا من مناضلى حركة الطبقة العاملة وفيها، كما أنه لم يتبنّ نظرة الحركة العمالية إلى العالم، أىْ الماركسية(28). وقد تبنى بدلا من ذلك دور اللا منتمى عن وعى الذى، رغم استقصائه لأوضاع العمال والفقراء (وتعاطفه معهم)، يحتفظ باستقلاله الفردى وتجرُّده. ولم يفقد قط على مرّ الزمن تشككه إزاء القدرات السياسية للطبقة العاملة. وقد جرى التعبير عن هذا الموقف بأقصى الوضوح، شأنه شأن الكثير من مواقفه السيكولوچية، فى كتابه الطريق إلى ويجان پير:

أول شيء لابد أن يصدم أىّ مراقب من الخارج هو أن الاشتراكية فى شكلها المتطور نظرية محصورة تماما داخل الطبقات الوسطى… والعامل، طالما بقى عاملا حقيقيا، قلما يكون أو لا يكون أبدا اشتراكيا بالمعنى الكامل، المتماسك منطقيا… وفى حدود خبرتى، لا عامل حقيقى يدرك الدلالات الأوسع للاشتراكية… وفيما يتعلق بالجانب الفلسفى للماركسية… لم ألتق قط بعامل لديه أىّ اهتمام به… ولم ألتق بعد بعامل مناجم، بعامل صلب، بعامل نسيج قطن، بعامل حوض سفن، بعامل فواعلى، أو ما إلى ذلك، عميق أيديولوچيا(29)

وهذا النقد اللاذع يُساق كهجوم على الاشتراكيين من مثقفى الطبقة الوسطى، غير أن مغزاه الضمنى واضح جلى. فالاشتراكية فى شكلها المتطور ظاهرة تنتمى إلى الطبقة الوسطى لأن العمال لا يقدرون على إدراك الأفكار السياسية العامة. وهذا الإنكار يذهلنا بالأحرى حيث أن أورويل لم يكن قادرا على كتابة الطريق إلى ويجان پير إلا بفضل مساعدة العمال السياسيين المنظمين.

وتتخلل نفس الموضوعة تصوير أفراد البروليتاريا فى رواية سنة 1984 على أنهم “مثل النمل الذى يمكنه أن يرى الأجسام الصغيرة لكن ليس الضخمة” وعلى أنهم “أشخاص لم يتعلموا قط أن يفكروا”. وحتى فى الاستثناء العظيم، تحية لكاتالونيا، فإن الكثير من قوة الوصف الذائع الصيت لأورويل “لمدينة كانت الطبقة العاملة تتولى السلطة فيها” يأتى من ذهوله لأن أبناء الطبقة العاملة أمكنهم أن يحققوا مثل هذا الشيء(30).

العامل الثانى والأهم موضوعيا بجلاء هو الزمن الردئ الذى عاش فيه أورويل: “منتصف الليل فى القرن” عند ڤيكتور سيرچ – صعود هتلر وستالين، محاكمات موسكو، الغدر بالثورة الأسبانية وانتصار فرانكو، الحرب العالمية الثانية. ومفهوم تماما أن يغرق أورويل، تحت وطأة هذه الهزائم والأهوال المفزعة، فى التشاؤم واليأس والكلبية المميزة. كما أنه لا غرابة فى أن تنعش وتؤكد تلك الأحداث الكثير من مخاوفه وتحاملاته العميقة بشأن الطبقة العاملة. والعكس بالعكس، فمن البديهى أنه لو هُزمت الستالينية والفاشية وانتصرت الاشتراكية الأممية لما كتبت مزرعة الحيوانات ولا سنة 1984. غير أن فهم الشرط الاجتماعى لرسالة لا يعنى إقرارها أو حتى جعلها مستساغة أكثر ولا جدال فى أنه لا يغيّر واقع أنها رسالة ينبغى على الاشتراكيين أن يحاربوها.

وأنا أتوقع أن يُقابل هذا التقييم السلبى بجانبه الأكبر لمزرعة الحيوانات باعتراض بعض الأوساط بأنه يقلل من شأن شجاعة معاداة أورويل للستالينية. وليست عندى أدنى رغبة فى إنكار تلك الشجاعة غير أن اهتمامى ينصبّ على تقييم كتاب، وليس شخص، وينبغى أن نتذكر أن الشجاعة يمكن أن تخدم شتى أنواع القضايا، ومنها قضايا رجعية تماما. كما أننا لا يمكن أن ننسى أنه من وجهة نظر الاشتراكية الثورية تعَدّ معاداة الستالينية جوهرية لكنها ليست كافية بحال من الأحوال.

والحقيقة أن معاداة الستالينية التى تقوم ليس على تحليل مادى لتدهور الثورة الروسية والتزام بتحرير الطبقة العاملة لنفسها بنفسها، بل على مجرد الرفض الأخلاقى للأساليب والممارسات الشمولية، يمكن أن تقود إلى الليبرالية، وفوبيا ستالين، والمعاداة اليمينة للشيوعية. ويكشف أىّ فحص لمسار أورويل بعد مزرعة الحيوانات عن عناصر من هذه السمات بما فى ذلك ميل إلى النظر إلى الشيوعية، حتى هنا فى الغرب، على أنها العدو الرئيسى. وهذا اتجاه يبلغ ذروته فى رواية سنة 1984، غير أن جذوره ملحوظة بالفعل بجلاء فى مزرعة الحيوانات.

خريف 1989

إشارات

1: G Orwell, Collected Essays, Journalism and Letters (CEJL) (London, 1968), Vol 1, p7.
2: G Orwell, Animal Farm (London 1987), p120.
3: يحق ريموند وليامز Roymond Williams، فيما أعتقد، إذ يشير إلى أولى هاتين اللحظتين باعتبار أن “هذا أحد التعبيرات الباقية عن الفجوة بين الادعاء والواقع الفعلى، بين إعلان الإيمان والممارسة، فيما يتعلق بمجال واسع للغاية”، وإلى اللحظة الثانية باعتبار أنه “نظرًا لأنهما نفس الشيء لأنهما يفعلان نفس الشيء ولا عليك من الألقاب والشكليات: إنها لحظة وعى تحقق، اكتشاف محرِّر كإمكانية” R Williams, Orwell, Glasgo, 1971, p74.
4: CEJL, Vol 1, p377-8.
5: CEJL, Vol 1, p539, and R Williams, op cit, pp63-64.
6: فى مقدمة الطبعة الأوكرانية كتب أورويل: “… طوال العشر سنوات الماضية كنت على اقتناع بأن تحطيم الأسطورة السوڤييتية جوهرى إذا نحن أردنا إحياءً للحركة الاشتراكية”. CEJL, Vol 3, p405.
7: CEJL, Vol 1, p5.
8: CEJL, Vol 4, p502.
9: ينبغى أن نلاحظ أن ما يوافق عليه أورويل هو الشجب (الأخلاقى) للرأسمالية من جانب ماركس وليس نظرية التاريخ عند ماركس. ولم يكن أورويل فى أية مرحلة على الإطلاق ماركسيا من الناحية النظرية ولم تكن لديه سوى معرفة أولية للغاية بالماركسية.
10: Animal Farm, p100.
11: Ibid, p32.
12: Ibid, p46.
13: من المؤكد أن الحقائق الأساسية عن هذه الفترة المفزعة معروفة لأغلب قراء مجلة انترناشونال سوشاليزم. وعلى أية حال فأفضل سرد لها بين سرود كثيرة هو: T Cliff, Lenin, Vol 3, The Revolution Besieged (London, 1978).
14: Animal Farm, pp25-26.
15: Ibid, p46.
16: Ibid, p32.
17: لاحظ التناقض بين هذا وبين حادث اللبن والتفاح الذى سبق أن ألقينا عليه الضوء بتركيز. ومن الناحية الأخلاقية يرفض أورويل أن يكون الذكاء المتفوق مبررا للامتيازات، غير أنه من الناحية السيوسيولوچية يصوره على أنه أساس الانقسامات الطبقية.
18: Animal Farm, p15.
19: Ibid.
20: Ibid, p11.
21: Ibid, 16.
22: شخصية مُوللى بوجه خاص قالب نمطى فظ للأنثى، وهذا مميز لموقف أورويل من النساء.
23: Animal Farm, p28.
24: يوجد هنا تناقض آخر مثير يمكن أن يوضح من جديد التعارض بين نوايا أورويل وعمله، بين أهدافه الواعية وبين افتراضاته اللاواعية وشبه الواعية. فهو يخبرنا فى صفحة 29 أن “فصول القراءة والكتابة حققت مع ذلك نجاحا كبيرا. وبحلول الخريف كان كل حيوان متعلما إلى درجة ما”. غير أنه فى صفحة 30 يدخل فى التفاصيل ويتضح أنه، بصرف النظر عن الخنازير، لا يتعلم القراءة سوى الكلاب، والعنزة مورييل، والحمار بنچامين. أما الأغلبية الواسعة من الحيوانات فلا تمضى إلى أبعد من حرف “A”.
25: Animal Farm, p72.
26: Ibid, p6.
27: G Orwell, The Road to Wigan Pier, (Harmonsworth, 1987), p110.
28: قد يبدو أن انخراط أورويل فى صفوف الحزب العمالى للتوحيد الماركسى يناقض هذا، غير أن قصده الأصلى من الذهاب إلى أسبانيا كان “جمع مواد لمقالات صحفية، الخ.” (CEJL, Vol 1, p316) وكانت عضويته فى الحزب العمالى للتوحيد الماركسى عرضية تقريبا، ولم تكن قائمة على الالتزام السياسى. (See R Williams, op cit, pp54-55).
29: The Road to Wigan Pier, pp152-5.
30: أدين لتشارلى هور بهذه الملاحظة.

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s